صناعة الإسمنت تختزل قتامة الأزمات الاقتصادية في سوريا

القطاع يصطدم بعراقيل التمويل لإيقاظ المصانع من سباتها.
الثلاثاء 2021/09/21
الأزمات تجتمع في صناعة الإسمنت

يختزل قطاع صناعة الإسمنت في سوريا الأزمات الاقتصادية القاسية التي تمر بها البلاد، حيث تأثر بشكل واضح من عمليات التدمير وعدم قدرة الحكومة على إيقاظه بسبب شح السيولة النقدية، رغم تفاؤل المسؤولين بأنه بالإمكان التعويل على مساعدة المستثمرين للدخول في شراكات تعيد تأهيل القطاع مرة أخرى.

دمشق - تتزايد المؤشرات يوما بعد يوم على أن قطاع صناعة الإسمنت في سوريا يمر بمرحلة حرجة للغاية مع عجز الشركات العاملة في القطاع عن السير بعيدا عن المشاكل التي تعاني منها البلاد، رغم إصرار الحكومة على أن لديها خططا لإنقاذها من الدمار الذي لحق بها وزيادة طاقة الإنتاج.

وما يفاقم معاناة القطاع، توقف العديد من المصانع بسبب الحرب إلى جانب ضعف الخبرات والتمويل وصعوبة التحويلات المالية، التي تعد من أبرز المشكلات التي تعاني منها السوق المحلية، وليس في مجال الإسمنت فحسب، بل في كافة القطاعات أيضا.

ورغم تأكيد المدير العام للمؤسسة العامة للإسمنت الحكومية المثنى السرحاني أن العمل جار على خطة لتطوير القدرات الإنتاجية للمصانع، لكن تبدو التحديات أكثر بكثير من الرهانات.

وشهدت صناعة الإسمنت تراجعا كبيرا خلال أعوام الحرب، إذ تعرضت مصانع القطاع العام وخاصة بمحافظة حلب للتدمير، واقتصر عمل مصانع القطاع الخاص على شركة إسمنت البادية والتي توقفت في عدة مناسبات.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن الشركات التابعة للمؤسسة الحكومية تنتج ما بين 10 آلاف و10.5 ألف طن من الإسمنت يوميا حسب الحالة الفنية للمصانع، وهي تغطي ما بين 60 و65 في المئة من حاجة السوق في مناطق سيطرة النظام السوري.

ونسبت وكالة الأنباء السورية الرسمية إلى السرحاني قوله إن “الخطة بدأت برفع الطاقة الإنتاجية لشركة إسمنت طرطوس، حيث انتهت من تأهيل الفرن الرابع وتم البدء بتأهيل الفرن الثالث لرفع الطاقة الإنتاجية إلى 3 آلاف طن يوميا”.

وتنتج شركة عدرا 2500 طن يوميا، ومن المتوقع أن تصل إلى 3 آلاف طن بعد إعادة تأهيل الفرن الثالث، والذي سيدخل الإنتاج خلال شهر تقريبا.

المثنى السرحاني: العمل جار على خطة لتطوير القدرات الإنتاجية للمصانع

وتعمل شركة إسمنت الرستن بمطحنة كلنكر واحدة بطاقة يومية 250 طنا، وقد تم الإعلان قبل فترة عن استدراج عروض لتطوير المطحنة ورفع الطاقة الإنتاجية إلى 500 طن يوميا.

وستقوم الشركة بجلب مادة الكلنكر من الشركة السورية للإسمنت بحماة، حيث يعد المصنع الثالث من أحدث المصانع، وقد تم تشغيله في العام 2007. ومن المتوقع أن ترتفع الكميات المسلمة إلى نحو 11.5 ألف طن يوميا في نهاية العام بعد الانتهاء من أعمال التطوير.

وتعمل معظم آلات وتجهيزات مصانع الإسمنت منذ ستينات القرن الماضي، ومعظم خطوط الإنتاج باتت قديمة، واستمرارها بالإنتاج يتطلب مصاريف كبيرة أحيانا، وهو ما يشكل بعدا إضافيا لعدم إمكانية دمشق إيقاظ هذا القطاع من سباته.

ومع ذلك تبقى هذه الإنتاجية جيدة في نظر المسؤولين، وذلك بالنظر إلى القيود المفروضة على الدولة بشأن حصولها على تمويلات خارجية بسبب العقوبات الأميركية.

ويؤكد المدير العام للمؤسسة أن معظم المصانع انتقلت من حالة الخسارة إلى حالة الربح، ومنها منشأة طرطوس والتي كانت خاسرة بنهاية العام الماضي بحدود المليار ليرة، والآن رابحة بحدود الستة مليارات ليرة.

وقد تعرضت الشركة العربية للإسمنت في حلب هي الأخرى لتدمير طال جزءا كبيرا من تجهيزاتها. وتقول السلطات إن تكلفة إعادة تأهيلها تصل إلى مئة مليون دولار.

واضطرت الحكومة إلى طرح إعادة تأهيلها على المستثمرين، وقد فاز أحد رجال الأعمال المحليين بصفقة تطويرها التي ستستمر نحو أربعة أعوام، قبل أن تبدأ الإنتاج بطاقة تبلغ 1.1 طن سنويا.

وكشف السرحاني عن تقدم شركة “من دولة صديقة”، لم يسمها، بعرض لإقامة مصنع متكامل بطاقة 5 آلاف طن يوميا وتشغيله لأكثر من ثلاثين عاما. وقال إن “العرض ما زال في مرحلة الدراسة”، في الوقت الذي توجد فيه شركة إسمنت جديدة قيد الإنشاء هي الشركة المتحدة.

وتبدو وضعية شركة الشهباء في حلب كغيرها من الشركات، فقد دمرت مصانعها ولا يمكن الاستفادة سوى من أرضها ومقالعها.

ورغم أن هذه الصناعة تعد من الأعمال الخطرة، إلا أن حوافز عمال الإسمنت قليلة قياسا بالأعمال المجهدة، وهو ما دفع بالحكومة إلى وضع نسبة من المبيعات كحوافز إنتاج.

وفي ظل ما يمر به القطاع من مشاكل يعتقد خبراء أن مشاركة القطاعين الخاص والعام أمر حتمي، لأنها صيغة مشجعة للشركات التي تملك الخبرة والدراية الفنية والملاءة المالية للدخول إلى مصانع الإسمنت التابعة للقطاع العام.

وأفضت دراسات حول تكاليف إنتاج الطن من الإسمنت إلى أن المنتج المحلي غير منافس لارتفاع الأسعار، بسبب عدة عوامل من بينها انهيار الليرة وارتفاع أسعار المواد الأولية إلى جانب مشكلة الكهرباء.

وتظهر التقديرات أن تكلفة طن الإسمنت تصل إلى 110 دولارات، وهي من بين الأعلى في المنطقة، ففي مصر مثلا تبلغ التكلفة 50 دولارا فقط، ولذا فالعاملون بالقطاع لن يتمكنوا من إعادة هدير المصانع بالشكل المطلوب إلا بدعم حكومي لخفض التكاليف، وهو ما لا تقدر عليه دمشق.

10