صناعة التطرف.. لعبة بريطانيا القديمة المتجددة حفاظا على مصالحها

كثيرا ما طرحت العلاقة بين الإخوان المسلمين وبريطانيا جدلا كبيرا على مدى العقود الماضية التي فتحت فيها لندن ذراعيها لاستقبال المهاجرين والهاربين المتطرفين من الدول الإسلامية تحت شعارات حقوقية. علاقة بدأت تكشف عن أسرارها وخباياها التي ظلت سرية لسنوات دون أن تبرح أدراج المخابرات البريطانية، مع عدد من المحاولات الاستقصائية التحليلية، شأن كتاب “التاريخ السري لتآمر بريطانيا مع الأصوليين” لمارك كورتيس، الذي عمد من خلاله إلى إماطة اللثام عن مسؤولية الحكومات البريطانية المتعاقبة في صناعة التطرف الإسلامي في الشرق الأوسط.
الجمعة 2015/09/04
غالبية البريطانيين يستشعرون خطر احتضان بلادهم للجماعات المتطرفة على مدى العقود الماضية

تشكلت خيوط الارتباطات السرية بين الإنكليز والإخوان المسلمين منذ النصف الأول من القرن الماضي، وتوطدت أواصر العلاقات عبر التمويل والتخطيط لإفشال الثورات في المنطقة العربية والإسلامية التي كانت تمثل جبهة الحرب الباردة بين الغرب والشرق. وتحولت اليوم إلى جبهة للحرب على ما يسمى بـ”الإرهاب الأصولي” الذي أصبح يشكل تهديدا حقيقيا يضرب المنطقة برمتها.

ورغم محاولات الطرفين نفي هذه الحقائق أو التشكيك فيها، بهدف حجب الأنظار عن حجم الاستفادات المتبادلة بينهما، إلا أن المسألة خرجت عن السيطرة وأصبحت جلية للرأي العام حقيقة هذه العلاقة؛ ففي الوقت الذي تعد فيه الجماعة إحدى الأدوات التي تستخدمها بريطانيا للحفاظ على مصالحها في المنطقة، تشكل بريطانيا ملاذا آمنا لقادة الجماعة وعناصرها في ظل ما يوفره القانون البريطاني من ضمانات للاجئين تستفيد منها الجماعة، إضافة إلى المزايا المالية التي يحصلون عليها بموجب ما توفره الحكومة من سكن ورواتب شهرية لكل لاجئ، وهو ما شجع الكثيرين من قادتها وأعضائها على اللجوء إلى المملكة المتحدة.

وفي كتاب “التاريخ السري لتآمر بريطانيا مع الأصوليين” يفضح مارك كورتيس ما ارتكبته بريطانيا والغرب عموما وأميركا سواء متآمرة أو متوافقة مع بعض قادة الدول خلال القرن العشرين في صناعة التطرف الإسلامي في الشرق الأوسط، فمن الهند والأردن إلى باكستان وإندونيسيا وإيران فمصر وأفغانستان ولبنان وتركيا وغيرها من دول المنطقة كانت اللعبة الكبرى في تجنيد التطرف الإسلامي وتدريبه وتمويله وتسليحه واستخدامه في تحقيق مصالح وتوازنات إقليمية ودولية هنا وهناك.

بروز الإسلام المتطرف مع نهاية عقد السبعينات شكل تهديدات وفرصا بالنسبة إلى السياسة الخارجية البريطانية
لذا فإن ما يجري الآن على ساحة الشرق الأوسط من صعود للمد الإرهابي واقعا وفكرا، ليس ببعيد عما تم التخطيط له في الماضي القريب سواء على يد المخابرات البريطانية أو مخابرات الدول العربية والإسلامية المتعاونة معها. وهو الأمر الذي يفضح المواقف البريطانية الضحلة من جماعات وتنظيمات إرهابية مثل “الإخوان المسلمين”، وعدم قدرتها على اتخاذ إجراء ضدها، خاصة أنّ بريطانيا كانت، وفق المؤلف، تقف وراء تأسيس جماعة الإخوان سنة 1928 وهي التي عملت على تطويرها لتكون شبكة على النطاق العالمي.
كما أنّ التنظيمات الإرهابية التي تشكلت منذ ثلاثينات النصف الأول من القرن العشرين في الهند وباكستان وأفغانستان وإندونيسيا وكشمير والعراق وسوريا جميعها كانت صناعة بريطانية بامتياز وأدوات تطوعها المملكة المتحدة وفق مصالحها.

ويتجه المحللون إلى التأكيد على أنّ العلاقات البريطانية الإخوانية أخذت منحى متقدما جدا يدحض أيّ فرصة لقطع أواصرها من الجانب الإنكليزي، كما راهنت على ذلك العديد من الدول لا سيما العربية منها. ورغم ما يمثله البعض من هذه التيارات الإسلامية المتشددة من تهديد حقيقي للأمن البريطاني، وخاصة بعد تنفيذ عمليات إرهابية على أراضيها على غرار تفجيرات 2005، إلا أنه من غير المتوقع أن تتخذ الحكومة قرارا بحظر أنشطة الجماعة، وهو ما يفسر اتجاهها نحو تقييد بعض تلك الأنشطة والحد منها دون إصدار قرار يقضي بالحظر.

وتعتبر بريطانيا المحرك والموجه للقوى المتأسلمة في تصديها للحركات القومية والعلمانية التي ظهرت في منتصف القرن الماضي، حسب كوتيس، وقد خططت وفق ذلك النهج لاغتيال قادة تلك الحركات التحررية في كلّ من مصر وسوريا والعراق وإندونسيا. كما أنها لعبت في جميع الحروب التي اتخذت طابعا جهاديا الدور الرئيسي من أفغاستان إلى البوسنة مرورا بالحرب بين أذربيجان وأرمينيا حول ناجورنو كاراباخ وصولا إلى الحرب في كشمير وفي بلدان رابطة الدول المستقلة.

كناب يسلط الضوء على تورط المخابرات البريطانية في صناعة الإرهاب

وتدخل هذه الجهود في إطار سعي بريطانيا الدائم للحفاظ على الانقسامات في منطقة الشرق الأوسط لجعلها تحت سيطرة سياسات منفصلة، ما يدخل في سياق سياسة “فرق تسد” التي انتهجت أساسا من أجل ضمان ألّا تكون هناك قوة فاعلة أخرى في الشرق الأوسط، خاصة في ما يتعلق بالثروات النفطية، تتعارض مع الرغبات البريطانية الأميركية. وقد استفادت في سياستها تلك من استخدامها للقوى الإسلامية في عدة مناسبات، فعلى سبيل المثال وقف الإنكليز في احتلالهم لجنوب العراق مع المسلحين الإسلاميين الشيعة من أجل ضمان السيطرة على المنطقة، كما طورت بريطانيا علاقاتها مع جماعة الإخوان المسلمين في كل من مصر وسوريا تحسبا لتأمين موطئ قدم لها في حال تمّ تغيير النظام في القاهرة أو دمشق.

ونظرا إلى استناده في رصده وتحليله ونقاشه إلى وثائق رسمية بريطانية مسربة من وزارة الخارجية وجهاز المخابرات البريطانيين، كشف أنّ إسهام بريطانيا في صعود التهديد الإرهابي يتجاوز كثيرا تدخلاتها الحالية التي تعد كارثة في الشرق الأوسط، فالحكومات البريطانية، من العمال والمحافظين، على حدّ سواء، تواطأت في إطار سعيها لتحقيق ما يسمى بـ”المصلحة الوطنية” في الخارج على مدى عقود طويلة، مع القوى الإسلامية المتطرفة بما في ذلك التنظيمات الإرهابية، وقد تسترت عليها وعملت إلى جانبها وأحيانا دربتها ومولتها بغية الترويج لأهداف محددة. كما أقامت بريطانيا مع بعض هذه القوى الإسلامية المتطرفة تحالفا استراتيجيا دائما لضمان تحقيق أهداف سياستها الخارجية الأساسية طويلة المدى، ودخلت في زواج مصالح واتحاد وثيق بصورة مؤقتة مع قوى أخرى منها لتحقيق نتائج محددة قصيرة المدى.

وفي إطار توسيعها لدائرة معاقلها الإستراتيجية في المنطقة عملت بريطانيا جاهدة من أجل خلق منفذ في الجنوب الآسيوي بعد استقلال الهند، عبر ورقة باكستان. وقد لعبت دورا محوريا من أجل قيام تلك الدولة التي راهنت مختلف الحكومات البريطانية التي تداولت على السلطة عليها من خلال إثارة الحماس الديني في الداخل ودعم الإسلاميين المسلحين في المنطقة. ولعلّ ذلك ما يفسر أنّ إسلام آباد بقيت حليفا دائما للمملكة المتحدة لعقود طويلة.

بريطانيا تعهدت بحماية الإسلاميين من أجل التصدي للقوى الوطنية الناهضة التي كانت تتحدى هيمنتها

ويرى كورتيس أن بروز الإسلام المتطرف مع نهاية عقد السبعينات من القرن الماضي شكل تهديدات وفرصا على حدّ سواء بالنسبة إلى السياسة الخارجية البريطانية، وتبين السجلات المسرّبة أنّ الفرص كانت عادة هي الأكبر.

وكما توطأت بريطانيا وأميركا مع أنظمة عربية وإسلامية سنية وتركت لها “الحبل على الغارب”، وفق تعبير بعض المراقبين، لصناعة التنظيمات والجماعات الإرهابية شرقا وغربا وتمويلها وتسليحها ودعمها ورعايتها في فترتي السبعينات والثمانينات من القرن العشرين، فإنّها سعت إلى تأمين نفسها عقب ثورة إيران ووصول آية الله الخميني إلى السلطة؛ فالسجلات تبين أنّ بريطانيا كانت قد تخلت عن تأييدها للشاه قبل الثورة وبعدها وسعت إلى تأمين نفسها مع المعارضة الإيرانية بقيادة الخميني، وبمجرد وصول هذا الأخير إلى السلطة سعت هوايتهول إلى إقامة علاقات طيبة مع النظام الإسلامي وتواطأت معه، إذ اعتبرته حائط صدّ للاتحاد السوفيتي.

خلاصة القول، لطالما وجدت بريطانيا، لأسباب كثيرة، ضالتها في الإسلاميين وعملت على تطويعهم لحماية مصالحها في مناطق كثيرة من العالم بفعل الخبرة المتراكمة في فهمهم التي حصّلتها على مدى عقود من الزمن. وهو ما يُوحي بأنّ ذاك الرابط لن ينتهي قريبا ما دامت لعبة المصالح البريطانية متواصلة، كما ذهبت إلى ذلك المعلومات الواردة في كتاب كورتيس، والتي أفادت بأنّ هذا التحالف لن يتوقف وخاصة في هذه المرحلة التي تحولت فيها تلك الجماعات إلى فاعل خطير في منطقة الثابت أنّ بريطانيا تبحث لها عن موطئ قدم جديد فيها.

6