صناعة التلفيق والتضليل في وسائل الإعلام

الجمعة 2017/03/03

لا بد من الاعتراف بأن البشرية تمر بمرحلة من أخطر مراحل تكوينها الحضاري والثقافي، حيث تتعرض لصراعات تغذيها النعرات الطائفية والمصالح السياسية، ومحاولات فرض الرؤى والنفوذ، بينما يقوم الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي، بصناعة دائرة خالية من الحقائق، ومليئة بالزيف والتضليل والتلفيق، وتهديد نهج الأمن والاستقرار في المجتمعات.

إن اعتقاد المتلقي الدائم بوجود ما هو خفي وراء الأحداث يسهّل على أصحاب الأغراض من الإعلاميين، أن يبثوا الأكاذيب ويلفقوا أقاصيص خيالية تعبث بعقول العامة. وهكذا، يتخبط الجمهور في ظل التلفيقات الإعلامية، فلا ضوابط مهنية تحدد ما يقوله المعلقون، ولا منظمات إعلامية لمراقبة المعايير المهنية، ولا متابعة لما يظهر على الشاشات من اتهامات وتخوين وقراءات مغلوطة للأحداث. وفي كل هذا، فإن عقل المواطن العادي الذي لا يملك رفاهية تقصي الحقائق هو الهدف والضحية.

إن صور ووسائل الإعلام لا تنحصر في أسلوب معين، إنها سياسة فضفاضة تحوي الكثير من غسيل الأدمغة والمغالطات والتهويلات، وليّ عنق النصوص والأخبار، وبتر الحقائق، وتهويل الأخطاء، والتشويه والتحقير والفبركة، وشيطنة الخصم، وصولا إلى نظرية “جوبلز” وزير الإعلام النازي “أكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصير الكذب حقيقة في الأذهان ويصدقك الناس”.

فمن خلال الإعلام، استطاعت الأنظمة، تشكيل العقل الجمعي والتحكم به، كظاهرة سمّاها خبير العلاقات العامة الأميركي إدوارد بيرني “بلورة الرأي العام”، وهي كما يصفها، ليست صناعة الرأي العام فحسب، بل تجميده أيضا عند حدّ معين يختاره صانعو القرار ويرفض المتلقي عند هذا الحدّ قبول أيّ فرضية أخرى غير تلك التي لُقنت له عبر وسائل الإعلام، بينما رأت الباحثة الألمانية بأن الإعلامَ كثيرًا ما يشكل ضغطًا رهيبًا على الرأي العام؛ ليصبح الرأي العام هو ما (يريده الإعلام، لا ما يريده الشعب!) عبر آلية أو نظرية أطلقت عليها “دوامة الصمت”.

والإعلام على الأغلب يتخذ لصناعة الأكاذيب ثلاث طرائق معروفة لدى صانعي الخبر، وهي التغييب أو التضليل أو التلفيق. فمن خلال التغييب يمكن دفن قضايا مهمة وطمسها من خارطة اهتمام المتلقي ببساطة من خلال عدم ذكرها. أما استراتيجية التضليل، فتقوم على طرح الخبر لكن بتفاسير ورؤى غير حقيقية، وغالبًا ما تُستخدم هذه الاستراتيجية في تشويه صورة الخصوم. وثالث هذه الاستراتيجيات وأكثرها خطورة هي استراتيجية التلفيق التي تطرح على الأغلب خبرا أو حدثًا غير صحيح أو تحور خبرا ما، أو أي حادثة وقعت، فتقلب فيها الحقائق وتدُس في ثنايا طرحها الافتراءات والأكاذيب التي غالبا ما تخلق تصورًا مختلفًا تماماً عن الحقيقة التي يتم اغتيالها وسحقها بدم بارد في الآلة الإعلامية.

وهناك أساليب كثيرة للتلفيق والتضليل كطمس الحقائق بالإخفاء، بمعنى أن إخفاء الحقائق أو الأخبار هو أسرع الوسائل للتخلص من الأخبار المزعجة. وهناك الهجوم على مصدر الحقيقة، ومن المعروف إعلامياً أنك إن لم تستطع أن تخفي خبراً، فيمكنك أن تهاجم من نقله، وتتهمه لإضعاف مصداقية الخبر المنقول. ثم هناك الكذب.. وتكرار الكذب، حيث يستخدم تكرار الكذب في الحملة الإعلامية المنظمة والمستمرة بعد أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة للربط بين الإسلام والإرهاب، وتبرير احتلال العراق. وكذلك استخدام أسلوب تمرير المعلومات، من خلال المؤسسات السرية أو أحد الأحزاب دون التثبت منها. فعندما أعلنت الإدارة الأميركية أن لديها ما يثبت أن العراق تعد أسلحة نووية وكيميائية، اكتفى الإعلام الأميركي بنشر ما ذكرته الإدارة دون أي محاولة للتثبت من صحة تلك الأنباء، رغم الشكوك الكثيرة التي كانت تحيط بها.

وبالتأكيد تمارس وسائل الإعلام التأثير النفسي عن طريق خلق أنماط مقبولة وهميّة، والمتمثلة بسلاح الضغط الفكري- النفسي على الجماهير باستعمال المعارف السيكولوجية لاكتشاف النفسية الاجتماعيّة من الظواهر والأحداث. والاعتماد على الخرافات والآراء الباطلة، واستغلال الانفعالات البشرية عن طريق التوجه إلى العواطف.

لكن مع ظهور الإنترنت ووسائل الإعلام الاجتماعيّة والإعلام البديل أصبحت قدرة هذه الوسائل الإعلامية على التلاعب بالحقائق مقيّدة أكثر من قبل، وأصبحت الحكومات أيضا واعية بمثل هذه المشاكل. لكن ينبغي التأكيد على عدم تضخيم قدرة الإعلام وتأثيره على الوعي الجماهيري، وتصوير إمكاناته بأنها قدرة مطلقة لا يحدها حدّ ولا يصفها وصف، ذلك لأن الوعي مرتبط دوما بالواقع، والأكاذيب لا جذور لها. وقيل إن الناطق بالهراء لا يتنكر لسلطة الحقيقة كما يفعل الكذّاب، وعليه، فإن الهراء عدو ألدّ للحقيقة من الأكاذيب نفسها!

كاتب من العراق

18