صناعة الجلد في المغرب من البلغة إلى التحف الفنية

تحافظ الصناعة الجلدية في المغرب على مميزاتها التقليدية، مثل صناعة البلغة والتحف والأثاث، كما أنها وصلت إلى مراحل أخرى لتصنع الملابس والهدايا التي يقبل عليها السياح العرب والأجانب.
السبت 2016/03/26
نقوش وزخارف تبهر السياح

الرباط - يتمتع الجلد المغربي وصناعته بسمعة جيدة منذ القدم، ويرجع الفضل في ذلك إلى جودة المصنوعات.

وتستعمل جلود الخرفان والماعز والبقر، وكذلك الجمال، في هذه الصناعة الجميلة بعد أن يتم تجفيفها ودبغها وتلوينها.

ويحظى الجلد المصنع والمزركش بالاهتمام، خاصة من قبل السياح، فهناك مجموعة من التقنيات يستعملها حرفيو الجلد من أجل تزويق مصنوعاتهم مثل التطريز بالخيوط الذهبية أو الحريرية أو الفضية، والتمويه الذهبي، مما يجعل منها منتوجا غاية في الجمال والأناقة.

في أحد الدكاكين في زقاق عتيق بالعاصمة الرباط، ينحني علي وهو يطرز بعناية قطعة جلدية، يشذب قطعا أخرى بسرعة ومهارة، يتأمل ألوان رسومه المرسومة على الجلد، ويبدو مطمئنا لنتيجة يوم طويل من العمل في الورشة.

يوم العمل يبدأ في الصباح الباكر ولا ينتهي إلا في وقت متأخر، ليس لأن درجة الإقبال على المنتجات عالية، بل لأن “الحرفة صعبة وتتطلب مراسا وصبرا”، بحسب ما يقول سعيد (31 سنة)، العامل في أحد محال صناعة الجلد بالرباط.

وفي إحدى الورش، يقف المعلم علي ( 70 سنة)، ممسكا بمقص يقطع به قطع الجلد، ترتعش يداه، وتفسد القطعة، ويكرر المحاولة مرة ثانية.

ويقول “منذ أكثر من 40 عاما وأنا أعمل في هذا الدكان، علّمت عددا من الحرفيين أصول المهنة، ولكن للأسف الرعيل الأول من الحرفيين هم ذوو الخبرة والاتقان.. وعدد من الحرف التقليدية مهددة بالانقراض حال غيابهم”.

المنتوجات الجلدية تتعدد وتتنوع من مرفق الكتابة وحافظات الأحذية، يحبها الناس ويستعملونها لليونة المواد المستخدمة في صنعها، وللونها المذهب

ويعمل مع المعلم علي في الورشة حفيداه اللذان اختارا أن يمتهنا ذات الحرفة، ويقول إنه على الرغم من الدخل الضعيف لهذه المهنة، لكنه شجعهما على تعلم أصولها حتى لا يضيع تراثها العريق ويندثر معه جزء من تاريخ المغرب.

وتتعدد وتتنوع المنتوجات الجلدية، من مرفق الكتابة وحافظات الأحذية، يحبها الناس ويستعملونها لليونة المواد المستخدمة في صنعها، وللونها المذهب الذي يتم الحصول عليه بأوراق ذهبية توضع على الجلد وتثبت عليه بواسطة أختام ساخنة تحمل النقوش المرغوب فيها.

وتصنع من الجلد المطرز تحف مثل “السطرمية” و”الشكارة”، وهناك منتوج آخر لهذه الصناعة الأصيلة يبهر بجماله ورونقه وهو من الجلد المطرز ألا وهو سرج الفرس. إنه حقا تحفة فنية تسبي الألباب بنبل المواد المستعملة في صناعتها وبغناها.

وقد أصبحت صناعة الجلد في المغرب تنتج اليوم سلعا ذات جودة عالية، وهي ذات استعمالات متنوعة، وظيفية وعملية ورغم متانتها فإنها لم تتخل على أناقتها وجمالها، فالصدريات والمعاطف والمحافظ والعلب الصغيرة والحقائب، ليست سوى عينة من التحف المتعددة التي تنتجها يد الصانع المغربي، الذي ما فتئ يبتكر استعمالات جديدة لمادة الجلد.

إن صناعة الحقائب لوحدها تتمتع بأهمية كبيرة، إذ يتدرج المنتوج من الحقائب الفاخرة التي تستعمل في صناعتها أجود المواد الأولية حتى الحقائب العادية البسيطة.

صناعة الحقائب تتمتع بأهمية كبيرة

ويعرف المغرب بصناعة البلغة، وهي من أصل أندلسي لكنها في وقتنا الحاضر من اللباس التقليدي المغربي الأصيل يقبل عليها السياح لخفتها وتميز شكلها.

وللبلغة أنواع عديدة يصعب التفريق بينها، حيث نجد “المشربلة” و”المقلوبة” و”المدفونة”، وتعتبر هذه الأخيرة الأجمل وهي بيضاء اللون أو صفراء. وتكون في غالب الأحيان أنيقة ورفيعة، ولكنها غير مزركشة.

ويشتهر المغرب أيضا بصناعة “السطرميات” دائرة الشكل من أسفلها بواسطة خيط أو سلسلة، وهناك سطرميات مكعبة الشكل أو مستطيلة، وتكون ذات لون موحد وقد تكون مزركشة أو يتخللها زخرف مطرز في الوسط.

ويتطلب تفصيل “السطرمية” جهدا كبيرا، حيث لا يجب إتلاف أي شيء من جلد العجل أو الماعز أو الخروف عند تقطيعه إلى أجزاء من مختلف الأحجام. بعد عملية التقطيع يتم جمع تلك الأجزاء كي تشكل زخرفا على شكل ناعورة. وتتم صناعة النمارق خاصة المطرزة منها يدويا بواسطة المعيرة والمنقش، ولكنها قد تنتج بنظام العمل المتسلسل، حيث يتم الحصول على قطع الجلد بواسطة أداة للرسم وذلك في دكان أول، وبعد ذلك تشترى تلك الأجزاء من طرف حرفيين آخرين سيعمدون إلى خياطتها وبيعها.

ويستعمل الجلد في تسفير الكتب، فيرسم الحرفيون الأشكال الهندسية والتسطير والتشكيك متعدد الزوايا، وانجدال الأوراق المنمنمة والزخارف. وتتوسط هذه الأشكال التي تجعل من بساطة الكتب تحفا منقوشة، ويلجأ كل من المجلدين إلى مسحوق مكون من الذهب والعسل يحول إلى مداد بواسطة الماء والصمغ الغربي، ويحك ذلك المداد على الجلد بواسطة مصقلة كي تظهر كل جماليته.

20