صناعة الحدث الأدبي

الثلاثاء 2015/02/03

حتى مطلع شهر ديسمبر لم يكن هويلبيك قد اهتدى إلى عنوان، كما صرّح لمجلة باريس نيوز الأميركية، فقد كان المشروع عند تأليف الكتاب حول سارد يعتنق الكاثوليكية أسوة بهويزمانس عندما انطلق من النزعة الطبيعية ليصبح كاثوليكيا.

وكان العنوان الذي خامره آنذاك هو “الاهتداء”، ولكنه أحس بعد 26 صفحة، أنه لم يفلح في توجيهه الوجهة المثلى، لأن المشهد الأساس في الكتاب هو ذاك الذي يلقي خلاله البطل نظرة أخيرة إلى عذراء روكامادور السوداء، فيحس بقوة روحية تسمو به، وفجأة يحيد عنها ويعود إلى مأوى السيارات وحيدا يائسا محبطا.

ترك تلك الصفحات بضعة أشهر، ثم عاد إليها في صيف 2013، ليبقيَ على بطله فرانسوا المفتون بهويزمانس، ولكن بتحويل وجهته إلى الإسلام، رغبة منه في تنزيل أحداث روايته بالواقع الفرنسي واستشراف غده كما قال.

ولما استقرّ رأيه على “رضوخ” عنوانا، وضع الناشر استراتيجية “ماركتينغ” على المنوال الأنكلوسكسوني، ويعتمد على تكثيف الدعاية للكتاب قبل صدوره، كما حصل مع “هاري بوتر” لجوهانارولينغ و”جحيم” لدان براون، على سبيل الذكر لا الحصر، وبدأ الحديث عن الرواية منذ منتصف الشهر قبل الماضي، حيث أرسل الناشر نسخا منها إلى وسائل الإعلام لإبداء الرأي فيها، وسرعان ما تلقفتها المواقع الإلكترونية، وتسابق مستخدمو الإنترنت لتحميل نسختها الإلكترونية المهربة، وما كادت تظهر فجر 7 يناير المنقضي حتى كانت على كل لسان، وخيل أنها صارت حدث الساعة، ثقافيا وإعلاميا وسياسيا، نظرا إلى خطورة الموضوع الذي تتناوله.

وقد قابلت صحف اليسار الرواية بالنقد الشديد، ورأت فيها تماهيا مع خطاب يبالغ في تصوير تدهور فرنسا، ويركب موجة تخويف الفرنسيين من المهاجرين، المسلمين بخاصة، على غرار خطاب الجبهة الوطنية، فيما عدّها أنصار اليمين بكل فصائله عملا إبداعيا متخيلا لا تصحّ محاسبة المؤلف إلا على أدبية نصه، مثلما عدّوها عملا استباقيا لواقع ممكن الحدوث، وحتى رواية خيال علميّ، متجاهلين أن أدب الخيال العلمي، كما يقول جول فيرن، يساهم في فهم الحاضر، بما يقدمه من إضاءة لواقع معين، لو قُدّر له أن يتغير على هذا النحو أو ذاك.

هذه الرواية التي تقوم على الأصولية الإسلامية كدواء لمرض الغرب المتدهور، وتستمدّ أهميتها من عداء مؤلفها للإسلام والمسلمين، أريدَ لها أن تكون حدث الساعة، ولكن جرت الأقدار عكس ما شاءت حملة الترويج والدعاية، فناب عنها يوم صدورها حدث جلل، أنسى الناس هويلبيك وتهويمــاته العنصرية، إلى حين.


كاتب من تونس مقيم بباريس

15