صناعة الرأي العام.. صراع حاد على عقول الشعوب وقلوبها

لطالما اعتبرت صناعة الرأي العام ركنا أساسيا في أجندات ساسة الأنظمة والجماعات والأفراد الباحثين عن نفوذ ما، يركزون من خلالها على توجيه رأي السواد الأعظم من المجتمعات والشعوب المُستهدَفَة بهذه العملية، خدمة لمصالحهم وتحقيقا لأهدافهم. ولا يعد المشهد العربي عموما، والمشهد المصري على وجه الخصوص، أنموذجا، بمعزل عن هذه العملية المُعقّدة والمتشابكة الأطراف، خاصة أن بيئته وثقافته المشاعة تعدّ حاضنة لأخطر الخطابات التي يمكن أن تعتمد عليها صناعة الرأي؛ وهي الخطابات الدينية المسيّسة والمشحونة بالعواطف بغية استلاب قلوب الشعوب وتطويعها.
الجمعة 2015/10/16
توجيه الرأي العام يسقط أنظمة ويؤسس لأخرى

تشكل صناعة الرأي العام جزءا حيويا من الاستراتيجية السياسية الحاكمة لأي نظام، وتختلف بنيتها من دولة إلى أخرى وفقا لأسباب تدخل فيها تركيبة الطبقة الحاكمة والشرائح الاجتماعية المحيطة بها أو الدائرة بفلكها، وتقدم أو تأخر وسائل الإعلام وتقنيات الاتصال التكنولوجية الحديثة، وأيضا مدى تقدم منظومات المجتمع التعليمية والثقافية والسياسية والاقتصادية والصحية بما يكفل وعيا في إدراك الأفراد. الأمر الذي ينعكس على البنية ويحدد آلياتها وطرائق تسييرها.

وقد كانت هذه الصناعة التي تستهدف السيطرة على المجتمع إلى وقت قريب حكرا على الأنظمة وما تمتلكه من وسائل إعلام مرئية ومقروءة ومراكز بحوث ودراسات، وكذلك هيئات ومؤسسات دينية مدعومة بمنابر الخطباء في دور العبادة وما يشبهها، وأجهزة أمنية واستخباراتية وعسكرية تنشط على مستويات عدّة.

لكن صعود الرأسمالية العالمية ورجالها مثل منعرجا هاما في هذا السياق، حيث عمد أصحاب رأس المال فور تمكنهم إلى مشاركة النظم الحاكمة في السلطة من موقع متقدّم، وفرضوا حضورهم وبسطوا نفوذهم على الوسائل التقليدية والحديثة بما فيها الإعلام والدراما التليفزيونية والسينمائية. وعلى إثر ذلك دخلت الجماعات والتنظيمات الأيديولوجية الإسلاموية منتقلة بين المنابر التقليدية في المساجد والزوايا والمنابر الحديثة في القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية وغيرها. وأخيرا جاء دور الأفراد المستقلين والجماعات المستقلة سواء من ذوي التوجهات الخاصة المؤدلجة أو الأخرى غير المؤدلجة للولوج إلى هذا المضمار باستغلال الانتشار الهائل للإنترنت ووسائل الاتصال وولادة ما يسمى بمواقع التواصل الاجتماعي، ما جعل صناعة الرأي العام موزعة بين النظم ورأسمالية رجال الأعمال والجماعات والتنظيمات والأفراد المستقلين.

صراع خفي

تتصارع الأطراف الأربعة المسيطرة على صناعة الرأي العام اليوم أحيانا وتتحالف حينا آخر، في ظل غياب استراتجيات وطنية تستهدف حاضر الأوطان ومستقبلها، طبقا لمصالح وأولويات تخص كلاّ منهم دون أن تخص الرأي العام؛ فيتحالف النظام ورأسمالية رجال الأعمال ويعملان سويا بما يحفظ لكل منهما وجوده ومصالحه، في حين يعمل الطرفان الآخران على مناهضتهما. ووفقا لهذه العلاقات المتشابكة، والتي لا يعتبر الوطن العربي بمعزل عنها، بات المشهد يوحي بكثير من التخبط الهائل في الرأي العام بالبلدان العربية على وجه التحديد، حيث الاشتغال على العقل والوجدان الجمعيين بما يتنافى مع الإرث الحضاري والثقافي والمصالح العامة من خلال توجهات وآراء وصور تحمل من المتناقضات ما يعيق وضوح الرؤية ويفسدها.

وللإحاطة بأبعاد تغلغل هذه الظاهرة في الوطن العربي، لا مناص من المرور على الحالة المصرية، باعتبارها نموذجا يسيطر فيه جزء من النظام ورأسمالية رجال الأعمال في مرحلة من أخطر مراحل تحالفهما على وسائل إعلام مقروءة ومرئية ومسموعة، وعلى هيئات ومؤسسات وأجهزة ومراكز بحوث ودراسات وغيرها، ويحركانها باتجاه ما يغيّب الفهم والوعي ويشتته ويشوهه ويرسم خارطة غير حقيقية للواقع المجتمعي، بما يحقق لهما ما يتوافقان عليه من أهداف ومصالح وأولويات تضمن بالدرجة الأولى استمرار مصالحهما وسيطرتهما على حاضر البلاد ومستقبلها.

الجماعات والتنظيمات الأيديولوجية والأفراد المستقلون يلعبون دورا لا يقل عن دور النظام ورأسمالية رجال الأعمال في توجيه الرأي العام

وقد تجاوز تحالف جزء من النظام ورأسمالية رجال الأعمال في مصر كلّ الأعراف والثوابت الحضارية والثقافية والوطنية في محاولته السيطرة على الرأي العام، فاستخدم أبعد العناصر الإعلامية عن المِهنية ممّن يُدينون له ولرضاه وأمواله بالولاء المطلق، ويسخرون جل جهودهم للهجوم على المجموعات المُخالفة له في الرأي والسيطرة على الجماهير غير الواعية وتغييب الواعي منها في ظل ارتفاع معدلات الأمية والجهل. وخدمة لهذا الغرض موّل المتحكمون في خيوط اللعبة برامج “التوك شو” التي تعمل على كل ما من شأنه أن يغيّب الرأي العام ويشل حركته ويحاصر وعيه وتفكيره في نطاق ما يملى عليه من أخبار وتوجهات وآراء وأفكار، وهي برامج لا تلتزم في عملها بأي معايير إعلامية أو ثقافية أو اجتماعية أو أخلاقية، فضلا عن دعمهم لمحتويات درامية (مسلسلات وأفلام) تجري من خلالها عمليات أشبه بعمليات غسيل المخ في سبيل تشويه الوعي وتمزيق أوصاله.

بدورها تلعب الجماعات والتنظيمات الأيديولوجية من جهة والأفراد المستقلون من جهة أخرى، دورا لا يقل عن دور النظام ورأسمالية رجال الأعمال في توجيه الرأي العام، من خلال ما يمتلكونه من قنوات فضائية ومواقع إلكترونية ومنابر دور العبادة، فضلا عن مواقع التواصل الاجتماعي. لكنّ هذا الثنائي يظل غير متوافق نتيجة اختلاف مرجعياته عن بعضها البعض، فالجماعات والتنظيمات الأيديولوجية في مصر اليوم أغلبها ذات مرجعيات دينية متطرفة في أفكارها وآرائها وعنيفة في ممارساتها، فيما الجماعات الصغيرة والأفراد المستقلون يتوزعون بين اليسار والليبرالية والعلمانية.

ولا ينكر أحد الآن في مصر أنّ هناك صراعا شرسا يدور للسيطرة على الرأي العام، ولا يستطيع أحد الأطراف أن يقول إنّ له الغلبة فيه، حيث يظل الرأي العام المصري عصيّا على السيطرة والتضليل خاصة بعد ثورة 25 يناير ومن بعدها ثورة 30 يونيو اللتين كشفتا أمامه سوءات مختلف الأطراف الساعية لفرض سيطرتها عليه؛ فقد شهد صراعاتها على العلن، وكيف عرّى وفضح كل طرف الآخر، فسقط عن النظام ورأسمالية رجال الأعمال ما كان يواريهما عن الأنظار وكذلك حصل مع الجماعات والتنظيمات ذات المرجعية الدينية وعدد من الأفراد المستقلين، والنتيجة كانت فقدان المصداقية والثقة في الجميع.

الخطاب الديني.. الأخطر على الإطلاق

الخطير في ما يتعلق بصناعة الرأي العام في مصر وغيرها من الدول العربية هو استخدام الدين لأغراض لا علاقة له بها، فالجميع دون استثناء يستخدمونه في وسائلهم التواصلية على اختلافها واختلاف محتواها؛ فالدين بات يشكّل عنصرا رئيسيا في الخطابات والنقاشات والحوارات والآراء والأفكار وحتى البيانات الموجهة إلى الرأي العام، باعتباره المدخل الرئيس إلى وجدان الناس وقلوبهم. وهم في هذا الاستخدام لا يتورعون عن اللجوء إلى الآيات والأحاديث النبوية، وأسوأ التأويلات والتفسيرات وأكثرها تطرفا، ويتجلى هذا من خلال خطابات الجماعات والتنظيمات الدينية التي تكفّر وتحرض على العنف والإرهاب والتخريب.

والأخطر أنّ هؤلاء يعلمون جيدا أنّ قطاعا كبيرا من الشعوب العربية، والشعب المصري تحديدا، مايزال متأثرا بحكم التقاليد القبلية والعائلية بالخطاب الديني الموجه ومنساقا خلف أصحابه كما ينساق تماما خلف خطابات المسيطرين على أصحاب النفوذ والمال الذين يستغلون في الغالب حالة الفقر والخصاصة لتطويعها وتوجيهها وفق أجنداتهم. وهو ما يتجلى بصفة مكشوفة مثلا مع حلول أي استحقاق انتخابي.

الخطابات الدينية المسيّسة مشحونة بالعواطف بغية استلاب قلوب الشعوب وتطويعها

ولكن على الرغم من كل تلك الجهود التي يبذلها الساعون إلى توجيه الرأي العام، إلاّ أنه لا ينبغي أن يوضع جميع من تشتغل عليهم صناعة الرأي العام في سلّة واحدة؛ حيث أنّ جماهير الشعب المصري، وعلى الرغم من ارتفاع معدلات الأمية والجهل والفقر والبطالة بينها، إلاّ أنها تتعامل في غالبيتها بذكاء مع المواد الإعلامية الموجهة إليها، خاصة إذا ما تعلق الأمر باستطلاعات الرأي التي تتم من قبل هذه الوسيلة الإعلامية أو ذلك المركز، والتي تقدم نتائج حول أداء هذا الرئيس أو ذاك أو هذه الحكومة أو تلك أو ما يتعلق بقرارات نظام الحكم أو غيره. فهذه المواد الإعلامية في مجملها تظل منقوصة على مستوى المصداقية بالنسبة إلى قطاع كبير من الشعب، حيث أنه يعلم ولو نسبيا خلفياتها التي تحركها والأهداف التي ترنوا لبلوغها.

ولذلك فمهما سخّر المتصارعون من إمكانيات إعلامية أو مالية أو قمعية قهرية، فلن يتمكنوا من السيطرة عليها؛ فالشعوب عموما تذهب في رأيها ورؤيتها حين تصدّق القول إلى حيث لا يتوقّع المرء، فهي لم تجمع في تاريخها على حكم أو حاكم، تُجاري من تشاء وتلفظ من تشاء بغض النظر عن اختلافها أو اتفاقها معه. والشعب المصري لا يخرج عن هذه القاعدة، فالمصريون يُتابعون البرامج التي يقدمها إعلاميون محسوبون على السلطة ورأس المال، ويصفونهم بالنفاق والرياء، ويتابعون القنوات الموالية للإخوان، ويهاجمونها متهمين إياها بإثارة الأكاذيب والتحريض على التطرف وعدم الاستقرار وترديد الشائعات والترويج لها، غير أنهم في المقابل يصدقون الوقائع المسرودة فيما بينهم على ألسنة أصحابها ويتخذون منها أدلة ويروجون لها بغض النظر عن التعتيم الإعلامي حولها.

ولكن المشكل الأساسي الذي مازال قائما، وإن بأخفّ حدّة عمّا سبق، يتعلق أساسا بالخطاب الديني الذي يعد الأكثر تأثيرا على عموم الشعب المصري، والشعوب العربية والإسلامية عموما، فعلى سبيل المثال تمكن دعاة جماعة الإخوان المسلمين طيلة فترتي حكم الرئيسين السابقين أنور السادات وحسني مبارك من الحفاظ على زخم الجماعة عبر الخطب الموجهة من المنابر الدينية، رغم ما بذله النظامان السابقان من جهود لكشف ممارسات تلك الجماعة وحقيقة مخططاتها التي لا تريد خيرا للبلد، بغض النظر عن المؤاخذات الكثيرة المتعلقة بإستراتيجية وممارسات تلك الأنظمة التي أفضت إلى عكس ما كان ينتظر منها من نتائج في أحيان كثيرة.

خلاصة القول يبدو أنّ حماية شعب ما من أخطار صناعة الرأي العام ومواجهة تطرف وفساد القائمين على تلك العملية، تستلزمان نظاما ينتهج استراتيجيات وطنية واضحة الملامح والآليات وصارمة التنفيذ في التعليم والصحة والثقافة والاقتصاد والسياسية والإعلام. نظام يحترم حق شعبه في الحرية والأمن والعدل والعيش بكرامة، ويفك عقد تحالفاته سيّئة السمعة مع رأسمالية رجال الأعمال، ويقطع ما بينهما من خيوط ومسالك لتفشي الفساد ويراقب أعمالها بما لا يسمح لها بالعبث بمقدرات الشعب، ويفعّل القانون ويحقق المساواة دون تمييز في المعاملة. نظام يحرّر الخطاب الديني من الوصاية ويعمل على تخليصه مما تعلّق به من أدران ويجعله منفتحا على كل الآراء دون تعصب أو تطرف. هذه الخطوات من شأنها قطعا أن تؤهل الشعوب، والشعوب العربية خصوصا، والشعب المصري على وجه التحديد، للثقة فيه ومن ثمة الالتفاف حوله بملء إرادته بعد منحه القدرة على إعمال فكره بأمن وحرية فيما يتلقى ويسمع ويرى من أفكار وآراء وتأويلات وتفسيرات ومعلومات ووقائع وأحداث، مما يحول دون التأثير عليه من هذا الطرف أو ذاك.

6