صناعة الزجاج المعشق في مصر مهددة بالاندثار

الثلاثاء 2015/04/14
صناعة الزجاج في مصر تشهد صعوبات جمة تسببت في هجرة المهنيين

عرف المصريون القدامى صناعة الزجاج منذ ما يناهز ألفي عام قبل الميلاد، وازدهرت هذه الصناعة بالخصوص في الإسكندرية، غير أنّ حالها يُرثى لها اليوم، فقد أسهمت المصانع الكبرى بآلاتها الحديثة في إرهاق المعامل والورش الصغرى، ممّا أدى إلى عجزها عن مسايرة التطور المنشود. ومع ذلك ما زال هناك من يُصارع تمسّكا بمهنة الآباء والأجداد..

أكّد فتحي إبراهيم، صاحب ورشة لصناعة الزجاج المعشّق: أن عدد ورش صناعة الزجاج بدأ في التناقُص بمصر منذ بداية الثمانينات لعدم تحقيقها مكاسب ماليّة كبيرة.

وأشار إبراهيم إلى أنّ العمل في اللوحة المطلوبة يبدأ بالرسم على الورق وتكبيره، ليُقسّم إلى فتحات ومقاسات معيّنة ثم تُطوّع الخطوط، موضحا أنّ هذه المهنة تعتمد بشكل كبير على الأيدي العاملة، بينما لجأت المصانع الأوروبيّة إلى التخصّص، حيث يُكلّف كلّ عامل بإنجاز جزء واحد لا يهتمّ بغيره، لا سيما بفضل الجانب الكبير الذي تقوم به الماكينات، ممّا جعل أهل المهنة يهربون من التصميمات الصعبة ربحا للوقت والجهد.

ويقول الخبراء إنّ تميّز مصر في صناعة الزجاج يعود إلى ثراء طبيعتها التي توجد بها أنواع عديدة من الزجاج، مثل زجاج الصودا، والزجاج الرصاصي الكريستال، وزجاج الكوارتز.

تلك الخامات الطبيعيّة عرف الحرفيّون المصريون أسرارها، وتوارثوا تصنيعها لابتكار ما تجود به مهاراتهم من مصابيح وزجاج ملوّن ومسطح للنجف أو النوافذ ومن أكواب مضلعة، وغيرها كثير..

عمر عبدالحميد، أستاذ التاريخ بجامعة عين شمس، أفاد أنّ صناعة الزجاج يمتد عمرها إلى مئات السنين، وقد اختلفت كتب التاريخ في تحديد فترة بدئها على وجه الدقة، فبعضها أرجعها إلى 1500 عاما قبل الميلاد، وهناك آخرون قالوا إنها تعود إلى 2000 عام، وتُعتبر مصر من أقدَم الدول التي شرعت في صناعة الزجاج مع سوريا والعراق.

1500 قبل الميلاد تقريبا هو تاريخ تصنيع أول أوان زجاجية اكتشفت في مصر

يُذكر أنّه خلال العصر الإسلامي ازدهرت صناعة الزجاج، ولا سيما الملوّن منه، في كلّ من القاهرة ودمشق، إلا أن هذا الازدهار تراجَع مع الحملات الصليبية واجتياح المغول للعالم الإسلامي، وبدأ انتقال هذه الصناعة آنذاك إلى الغرب بحسب مراجع تاريخية مُتطابقة.

ويُعتبر الصُنَّاع الآسيويون من أول من أرسوا صناعة الزجاج، ومنهم انتقلت الصناعة إلى مصر، حيث ترجَع أوّل آنية زجاجية إلى حكم تحتمس الثالث (1504- 1450 قبل الميلاد).

وقد ظلّت صناعة الزجاج مُنتعشة في مصر حتى حوالي عام 1200 قبل الميلاد، ثم توقّفت فعليا لعِدة قرون من الزمان، وفي القرن التاسع قبل الميلاد ظهرت كل من سوريا والعراق كمراكز لصناعة الزجاج.

حول أنواع الزجاج المعشّق، يذكر إبراهيم أنّ هناك نوعين، أولهما قديم وأساسه من الجبس، وقد نشأ في البلاد الإسلامية ثم اقتبسته أوروبا، وهو عُبارة عن فتحة شباك بها ثقوب وتشكيلات نباتية كعود الفل أو رسومات إسلامية متنوّعة، أما النوع الثاني فقد أصبح يعتمد على الرصاص، ونوع جديد وهو الأرابيسك بالزجاج المعشّق الذي يعتمد على تكوين قطع صغيرة وتركيبها، فضلا عن الفسيفساء التي تتكوّن بدورها من قطع صغيرة ذات ألوان وأحجام مُختلفة مُلتصقة مع بعضها بشكل زخرفي.

مصطفى سويلم، عامل بإحدى الورش، تحدّث بزهو وفخر عن قيامه بتنفيذ زجاج أحد الفنادق الكبرى، حيث أنجز لوحات زجاجيّة أمام كل طابق تُصوّر أعماق البحر والغابات، مشيرا إلى أنّ الزجاج الملوّن له ألوان طبيعية، ومُعظمه يتم استيراده من أوروبا، أما الخامات مثل الرصاص والقصدير فهي محلية.

المصريون توارثوا فن الزجاج المعشق وأتقنوا تصنيعه

وقال إنّ زبائن الزجاج يتنوّعون بين غني وفقير، فكلّ يشتري حسب إمكانياته، غير أنّ نوع الزجاج الرخيص له عيوب، موضحا أنّ الخامات المستخدمة عبارة عن طبقة من المينا توجد على الزجاج وتؤدي العوامل الجوية إلى فقد قيمتها وتآكل ألوانها.

وعن الفرق بين صناعة الزجاج بين الماضي والحاضر، يقول فتحي سليمان، صاحب إحدى الورش: في البداية كان الرسم والتلوين هو الغالب، أمّا الآن فكلما كانت القطع صغيرة وجزء الزجاج صغيرا زادت قيمتها وجمالها، مضيفا: كانت اللوحة في الماضي تحتوي على جزء أو جزأين، أما الآن فقد تصل إلى 15 أو 20 جزءا في اللوحة الصغيرة، والأفران كانت قديما تعمل بالمازوت ودرجة حرارة محدودة، أما الأفران الحديثة فهي تعمل بالنيكل كروم ودرجة حرارتها عالية جدا.

“هذه الصناعة في سبيلها إلى الانقراض”، على حدّ تعبير أحمد مصطفى، بكالوريوس فنون تطبيقية، مشيرا إلى أنّ ذلك إنّما يعود إلى ضعف الأجور التي لا تتناسب مع حجم التعب من حرارة وأمراض وغيرها من الصعوبات، وأضاف أن هناك صناعات أخرى أضحت تستقطب العمّال لأنها تتطلب أقل جهدا وتوفّر أكثر ربحا.

ومع ذلك، يقول مصطفى إنّ “الصنّاع الحقيقيين يخدمون المهنة وفاء لمهنة آبائهم وأجدادهم بوصفها تراثا وتاريخا وذكرى لا ينبغي التفريط فيها مهما كان الثمن”.

من جانبه، ذكر محمد الجندي، أحد العاملين بهذا المجال: أن صناعة الزجاج بمصر تعاني مشاكل عديدة تهدّد بانقراضها خلال الأيام المقبلة، مطالبا المسؤولين المصريين بأن يعيدوا النظر إلى هذه المهنة، من أجل الحفاظ عليها وتطويرها لما لها من أهمية على مدار التاريخ المصري.

وأضاف الجندي: أن ثورة 25 يناير انعكست بالسلب على صناعة الزجاج، حيث كانت تسير بشكل جيد قبل اندلاعها، والآن تعاني حالة من الركود، فصناعة الزجاج في حي الحسين خاصة توقّفت لمدة عام ونصف العام عقب الثورة، لأنها ترتبط بشكل مباشر بالسياحة المتراجعة حاليا، مشيرا إلى أنه يقوم بتصميم أشكال عديدة من الزجاج بناء على طلب الزبائن، ويتم تصدير الناتج في أحيان كثيرة إلى خارج مصر، وتابع أنه سافر مع والده إلى إنكلترا قبل بضعة أعوام، تلبية لدعوة من جانب بعض السائحين الذين انبهروا بطريقته في صناعة الزجاج، فطلبوا منه السفر إلى لندن لتعليمهم هذه الصناعة.

20