صناعة السعادة

يبدو مفهوم السعادة في وقتنا الحاضر، وبعد تجارب بشرية مؤلمة لا حصر لها، مفهوما ميتافيزيقيا مثل الكثير من المفاهيم المؤثرة في حياة البشر.
الأربعاء 2018/07/04
السعادة سلوكيات طيبة نتشارك بها مع سوانا

يستبطن عنوان هذه المقالة سؤالا مضمرا هو: هل السعادة (شيء) يُصنَع؟ الجواب: نعم هي صناعة عظيمة الرقيّ، ومحظوظ من يتقن أفانينها وخفايا مساراتها.

شاعت في أعقاب الثورة العلمية والتقنية -في بواكيرها الأولى بخاصة- قناعة راسخة بأنّ العلم والتقنية كفيلان بتحقيق السعادة للجموع البشرية عبر إشباع حاجاتها المادية بعد قرون ممتدة من حياة كان العيش فيها ضنكا وحسرات متواصلة.

 كانت الحشود تتشهى أمورا تسمع عنها ولا تصل إليها، فلم يكن الحصول عليها ميسّرا إلا مقابل أموال لا يملكها سوى الموسرين وسليلي العائلات الثرية، ثمّ جاء العلم وحقبة التصنيع الأولى وعندها صار ممكنا إشباع أفواه الناس وإكساؤهم وتطبيبهم؛ فبانت الحياة جميلة وفي طريقها لتكون يوتوبيا على الأرض سينعم فيها الناس جميعا بشتى ألوان الأطايب والمشتهيات، وأصبحت صورة السعادة المنتظرة أقرب لحتمية سيتكفّل بتحقيقها – ربما- بعض العقاقير المخلّقة بفعل ثورة البحث والتصنيع العقاقيري.

 ولعل مقاطع في كتاب (عالم جديد شجاع) للكاتب الأشهر ألدوس هكسلي ستكون مصداقا للرؤية المستقبلية التي ترى في السعادة أمرا حتميا ناتجا عن إشباع الحاجات المتزايدة للإنسان، وقد شاعت في خمسينات وستينات القرن الماضي عقاقير دُعيت (عقاقير السعادة)؛ بل وذهب بعض كبار الأطباء السايكولوجيين إلى حدّ اعتبار عقاقير مثل (المسكالين وإل.إس.دي) عقاقير قادرة على اجتراح ثورة ذهنية عاصفة في الجموع البشرية وفتح آفاق رؤيوية ما كانت متاحة أمامها، وتحوّل الأمر إلى ما يشبه (الموضة) الثقافية لدى جيل البِيت (The Beat Génération) والشباب الغاضب في أوروبا وأميركا بخاصة، ثمّ تكشّف الزيف الكبير الذي انطوت عليه تلك الرؤية الخادعة.

نعرف تماما أنّ المواقف المتشددة في أيّ جانب من جوانب الحياة ستقود حتما إلى جوانب متشددة مضادة متى ما ثبت خطل المواقف الأولى؛ وعليه فقد حصل – في سبعينات القرن العشرين وما بعده- انكفاء عن جوانب الحياة المادية لدى بعض الجماعات وراحت تنشد السلوان والسعادة المرجوّة في الانغماس بالعوالم الروحانية – الشرقية بخاصة – مثل الطاوية والبوذية، وليس غريبا أن تصير التبت ومنطقة الهملايا محجا للكثير من نجوم هوليوود والمجتمعات المخملية الغربية، والحقّ أنّ أغلبية هؤلاء قد انتهوا إلى فشل مريع في اختبار النشوة الروحية والاستنارة التي قرأوا عنها، فتراكم خذلانهم وما عثروا على سعادة يبتغونها.

يبدو مفهوم السعادة في وقتنا الحاضر، وبعد تجارب بشرية مؤلمة لا حصر لها، مفهوما ميتافيزيقيا مثل الكثير من المفاهيم المؤثرة في حياة البشر، وهو في جوهره يقوم على قاعدتين ذهبيتين تقول الأولى: (الفعل الطيّب يكافئ نفسه بنفسه مثلما أنّ الفعل السيء يعاقب نفسه بنفسه)، وواضح أنّ تلك قاعدة مماثلة لتعاليم الكارما الهندية المعروفة منذ القدم.

 تكمن الأهمية الاستراتيجية لتلك القاعدة في أنها ترسّخ أخلاقيات الارتقاء الفردي -والمجتمعي بالنتيجة- وتكبح رغبة الفرد في ممارسة الأخدوعات والمسالك الالتفافية (الشبيهة بالالتواءات الفقهية المخاتلة) في الكذب وإقناع النفس بالرذائل وتصويرها فضائل مستحبة. أما القاعدة الثانية فجوهرها (العطاء أفضل وأسمى من الأخذ) ، وهي كما أحسبها عبارة تكشف عن فحواها بنفسها .

السعادة صناعة إذن، وهي نتيجة سلوكيات وأفكار طيبة تخلقها أذهاننا ونتشارك بها مع سوانا، أما الباحثون عن عقاقير السعادة فلن يحصلوا إلا على المزيد من الخواء الروحي.

14