صناعة السعف تساعد ليبيين في مواجهة أعباء الحياة

الأزمة الاقتصادية تنقذ حرفا تقليدية من الاندثار.
الاثنين 2021/02/01
مهنة الصبر

تعد الحرف التقليدية أحد روافد التراث الشعبي في ليبيا، والذي يزخر بمختلف الصناعات ومنها السعفيات التي تعتمد على النخيل المتوفر  بكثرة في الجنوب وخاصة تاورغاء وغدامس، ورغم أن هذه الحرف كانت مهددة بالاندثار إلا أنها تعود اليوم لتساعد سكان المنطقة في مواجهة الأعباء الاقتصادية.

تاورغاء (ليبيا) - تستيقظ حليمة محمد مبكرا صباح كل يوم، محتضنة أوراق أشجار النخيل، وكأنها تعتني بطفل حديث الولادة، لا تشعر بالضجر على الإطلاق، بل تستمتع بوقتها الممزوج برائحة النخيل.

تتخذ حليمة إحدى القاعات الدراسية داخل مدرسة مهجورة في مدينة تاورغاء الواقعة على بعد 240 كيلومترا شرق طرابلس، ورشةً لأعمالها من السعفيات؛ وهي حرفة تتمثل في صناعة السلال والأطباق والحصائر والقفاف والحقائب من أوراق النخيل المجفف، تُنسَج وتُزَيَّن بألوان عدة، لتتشكل لوحة فنية بامتياز.

هذه الحرفة التقليدية كانت من الحرف الأساسية التي يتوارثها الأبناء عن الآباء في الجنوب الليبي، وخصوصا تاورغاء وغدامس، منذ مئات السنين، نظرا إلى اشتهارها بزراعة النخيل، وتُعين اليوم السكان على قضاء حاجاتهم اليومية لمواجهة الأعباء الاقتصادية، في بلد غني مزقته الفوضى والانقسامات منذ أعوام.

ويحتاج هذا العمل إلى جهد وصبر كبيرين لإنجاز قطعة واحدة، مثل القفة والزنبيل والمروحة وغيرها من الصناعات المتنوعة، فبعد تجفيف سعف النخيل يبدأ الحرفي بتشكيل أولى المكونات قبل حزم مجموعة السعف بليف النخيل الذي يجهز مسبقا بعملية تُسمى التفتيل.

تقول حليمة محمد (55 عاما) مرتدية ثوبا تقليديا ملونا، وهي تخيط وتشكل سلة من أوراق النخيل، “والدي وشقيقاتي يمارسون هذه الحرفة منذ خمسين عاما، ورثتها منهم منذ 20 عاما، أشتري السعف وأنشره أياما لتجففه أشعة الشمس، ثم نقطعه ونضعه في الماء حتى يلين، ونباشر خياطة السلال والأواني والحوافظ والحقائب”.

وتشرح طريقة تلوين هذه المنسوجات قائلة “لدينا صبغة خاصة نحضرها لتلوين المنسوجات وتزيينها، نضعها في برميل ونغليها لمدة ساعة تقريبا مع ورق السعف حتى يتغير لونها (…)، هناك اللون الأخضر والأزرق والأحمر، وكل لون له استخداماته”.

تعمل حليمة قرابة 16 ساعة يوميا، وتقضي وقتاً طويلا في ممارسة هذه الحرفة، وبعد كل هذا العمل الشاق تنتهي فقط من نسج قطعتين بأناملها الرشيقة.

وتقول “إلى جانب حرصي على الحفاظ على موروث أجدادي، يظل الدافع المادي الحافز الأكبر الذي يجعلني أعمل ساعات طويلة، لأن بيعي أعمالي يتيح توفير دخل مادي جيد لي ولأسرتي، لمواجهة الصعوبات والمصاريف اليومية”.

وتتابع “تلقيت تدريبا لمدة شهر في ورشة عمل أقيمت مؤخرا لتطوير مهارتي في صناعة السعفيات”.

السعفيات حرفة تحتاج إلى جهد وصبر كبيرين لإنجاز قطعة واحدة، مثل القفة والمروحة وغيرهما من الصناعات المتنوعة
السعفيات حرفة تحتاج إلى جهد وصبر كبيرين لإنجاز قطعة واحدة، مثل القفة والمروحة وغيرهما من الصناعات المتنوعة

ولا تقتصر هذه الحرفة على النساء فحسب؛ فحسن بالطيب يعد من أبرز المهتمين بصناعة السعفيات التي تصنع من مخلفات النخيل. وقد تعلمها في صغره من أبيه، حيث كان يجلس أمامه ليشاهد ما يفعله ويصنع بيديه العديد من المنتجات مثل الأطباق والحصائر والمراوح.

وشارك الطيب بإنتاجه في العديد من المحافل المحلية والدولية، منها معرض طرابلس الدولي ومهرجانات في دولة تونس.

وبادرت المنظمة الدولية للهجرة بالتعاون مع منظمات محلية نهاية العام الفائت إلى تأهيل العشرات من نساء تاورغاء في صناعة السعفيات، عبر إقامة ورش عمل متخصصة.

وتختم حليمة قائلة “هذه صنعة الأجداد، ونأمل في أن نعلّمها لأحفادنا (…)، لا أستطيع تركها لأنها تمثل هوية تاورغاء، وخصوصًا أنها تعبر عن ليبيا الأم عمومًا”.

وتُعَدّ مدينة تاورغاء من أشهر المدن التي لا تزال تحافظ على هذه الحرفة التقليدية، وتمتاز منتجاتها بجودتها العالية وبكونها تتوافر في معظم مدن البلاد.

وتنافس المنسوجات التي يتم تجهيزها في تاورغاء تلك المستوردة من الخارج، وتعلو الأصوات المطالبة بفتح باب تصديرها، والإفادة من قطاع الحرف اليدوية ومن الأوراق التي توفرها أشجار النخيل.

ويوضح فرج عبدالله، وهو مسؤول جمعية حرفية في تاورغاء، أن منتجات هذه الصناعة التقليدية كانت تصل إلى بعض الدول الأفريقية المجاورة من خلال عمليات المقايضة.

ويذكّر بأن “تاورغاء كانت تقيم في الماضي سوق ‘الاثنين’ الشعبية الشهيرة، وكانت السلال والحصائر والأطباق وغيرها من منسوجات ورق النخيل تعرض في هذه السوق لمبادلتها بالحبوب والطعام والملابس وغيرها، بل كان التجار يحملون بعضها إلى دول أفريقية”.

ويضيف “على الرغم من الظروف التي مرت بها ليبيا لا تزال تتمتع بجودة أعمال منسوجات سعف النخيل، التي لديها كامل القدرة على منافسة المستورد من دول مجاورة”.

بضاعة تعاني من المنافسة
بضاعة تعاني من المنافسة

وأُغرقت السوق الليبية خلال السنوات القليلة الماضية بمنتجات السعفيات من دول مجاورة كتونس ومصر والجزائر.

ويرى محمود خيري، وهو صاحب متجر لبيع السعفيات، أن على السلطات الليبية فتح المجال أمام تصديرها إلى الخارج، وبذلك ستتطور هذه الصناعة وتتنامى إيراداتها.

ويضيف محمود “يجب وضع قوانين لتصدير منتجات أوراق النخيل، لأن بعض الدول تعتبرها رافداً مهماً لموازناتها العامة، إلى جانب توفيرها فرص عمل تخفف الضغط عن الوظائف في القطاع الحكومي”.

وفي ليبيا التي تمتلك تسعة ملايين نخلة، وفقا لآخر مسح أجري عام 2010، لا تتوافر معلومات دقيقة عن الإيرادات المالية التي تدرها هذه الحرفة.

وأنهى اتفاق مصالحة تاريخي بين مدينتي مصراتة وتاورغاء برعاية دولية منتصف عام 2018، عداء بين المدينتين استمر منذ الثورة الليبية على نظام العقيد معمر القذافي عام 2011.

وبموجب الاتفاق سُمح لسكان تاورغاء الأربعين ألفاً بالعودة إلى مدينتهم، وشملت العودة البطيئة حتى الآن نحو ثلث هؤلاء.

20