صناعة السفن التقليدية في البحرين مهنة برع فيها الأجداد وأهملها الأحفاد

عرف البحرينيون صناعة السفن منذ مئات السنين وبرعوا فيها لأن البحر كان مورد رزقهم الأول ولكي يتمكنوا من استغلال ثرواته بما يلبي حاجياتهم حرصوا على توفير أدوات ووسائل الصيد التي تمكنهم من ذلك. هذا ما جعل صناعة السفن تزدهر في مملكة البحرين وتنتشر منها إلى بقية دول الخليج. غير أن هذه الصناعة اليدوية للسفن الخشبية القديمة تراجعت اليوم وأصبحت من الصناعات التقليدية الآيلة للاندثار.
الاثنين 2015/11/09
صناعة السفن التقليدية في البحرين بلغت درجة عالية من الاتقان

المنامة - اليوم لم تعد ورش صناعة السفن كما في السابق طاغية على المشهد الصناعي البحريني ولم تعد تلك السفن المصنوعة من الخشب والتي تلصق أجزاؤها بالخياطة موجودة على السواحل البحرينية كما على السواحل العربية بل أصبحت جميع السفن متشابهة مصنوعة من الحديد والفولاذ وبأعلى تقنيات الصناعة والتركيب وهو ما جعلها تتشابه وبلا هويّة.

كانت السفن البحرينية قديما مثالا للهويّة البحرينية ولاحتراف القلافين (التسمية المحلية لصانعي السفن) فيها وإبداعهم في تطويرها من سفن بسيطة صغيرة، تستعمل للصيد بطرق بدائية وبحمولة صغيرة لكميات قليلة، إلى جعلها سفنا بأحجام أكبر قادرة على رفع حمولات كبيرة مما يتم صيده لتستعمل في ما بعد لنقل البضائع وللتجارة البحرية.

فالهويّة البحرينية ارتبطت على مدى عصور بالبحر وبما ابتكره الإنسان من ممارسات ومن صنائع وعادات وتقاليد ومهن يغلب عليها طابع البحر والملاحة حيث وجدوا أنفسهم مدفوعين إلى تحدي قوة البحر ليخلقوا من ثرواته مصدرا للحياة وللعمل وللغذاء، فهو يمثل إلى اليوم مكونا أساسيا في جميع وجوه حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحضارية وقد ارتبط ارتباطا وثيقا بذاكرتهم وبتراثهم الشعبي.

وبحكم موقع مملكة البحرين الجغرافي وشواطئها الممتدة فقد عرفت باعتبارها مركزا من مراكز التجارة البحرية، ونقطة عبور رئيسية بين مناطق الإنتاج في الشرق ومناطق الاستهلاك في الخليج وفي أوروبا والغرب خلال فترة تاريخية سابقة، وساعدها في ذلك براعة الحرفيين في صناعة السفن، والذين كانوا يعتبرون روادا في هذه المهنة لمهاراتهم التي فاقت جميع بنائي السفن في الخليج ككل.

لأجل هذا كله تحرص السلطات في البحرين خاصة منها المسؤولة عن الثقافة والتراث وعن الحرف اليدوية على المحافظة على هذه الصناعة من خلال بعض الحرفيين المهرة الذين برعوا في صناعة السفن الخشبية بشكلها التقليدي.

وهي اليوم تدعم الحرفيين الذين يصنعونها بأحجام مصغرة لتستعمل في الديكور وليقتنيها زوار المملكة والسائحين ويحملوها معهم لمختلف أنحاء العالم لتصبح بمثابة جواز سفر يعرف ويذكر كل من تقع عينه عليها بتاريخ البحرينيين وببصماتهم المميزة في تطوير بناء السفن.

وقد كانت صناعة السفن تتركز في مدينتي المنامة والمحرق وأشهرها ما كان موجودا في النعيم ورأس الرمان، أما المحرق فقد كانت مركز هذه الصناعة التي انتشرت في مناطقها الساحلية المواجهة للمدينة حيث يمارسها القلافون المهرة. وتقوم هذه الصناعة على الأخشاب المستوردة من الهند وهي أنواع خاصة من خشب الساج والصنوبر المقاوم للرطوبة، ويعتمد في صناعتها على أدوات النجارة مثل المجدح والقدوم والمنشار وغيرها.

الهوية البحرينية ارتبطت بالبحر وبما ابتكره الإنسان من ممارسات ومن صنائع وعادات وتقاليد ومهن يغلب عليها طابع البحر

وتمر صناعة السفينة عبر مراحل دقيقة متتالية حيث تنطلق بتحديد القلاف لحجمها من حيث الطول والعرض والارتفاع بحسب نوعها والغاية التي ستستخدم لها.

ووفق قياسات متناهية الدقة تحفظ توازن السفينة عند الإبحار تنطلق عملية البناء في الشاطئ الذي ستبحر منه بعد أن تكتمل.

وبعد قطع الخشب وتفصيله على يد القلاف الماهر الذي لم يدرس لا التصميم ولا الهندسة يتم البدء في عملية تركيب الهيكل الرئيسي وبتثبيت “البيص” وهو العمود الفقري للسفينة، مرورا إلى تثبيت الألواح الخارجية وبعد ذلك يتم تركيب “الفنة” وهي سطح السفينة، ومن ثم يثبت “الدقل” وهو الصاري وتختتم عملية الصناعة باستخدام القطن أو “الفتيل” وأنواع خاصة من الغزل المدهون والغارق بالزيت لأيام وربما شهور وتتم عملية سد الفراغات والدهن الخارجي بزيت الصل المستخرج من زيت السمك وأنواع أخرى من المواد المانعة للتسرب والتي تطيل عمر السفينة ليصل أحيانا إلى ما بين 60 و80 عاما.

وبمجرد الانتهاء من صناعة السفينة، والتي إن كانت كبيرة الحجم تأخذ وقتا طويلا قد يصل إلى أسابيع وأشهر، يتم إنزالها إلى البحر بطريقة يدوية أيضا وبالاعتماد على أخشاب توضع كالسكة لتوصلها من الشاطئ إلى مياه البحر بمشاركة عدد هام من الرجال حتى يتمكنوا مـن تحريكها ودفعها نحـو الماء.

وكانت هذه العملية بمثابة احتفالية كبرى يعم فيها الفرح باستكمال القلاف للقطعة التي بذل أياما من عمره وهو ينتظر رؤيتها تبحر في وقار واتزان وكانت الأصوات تتعالى مرددة الأهازيج الشعبية المعبرة عن الابتهاج.

وتعد هذه الصناعة من أهم الصناعات التقليدية التي اشتهر بها أهل البحرين وذلك لتلبية احتياجات المجتمع التي فرضتها طبيعة الجزيرة البحرية، بداية من صيد الأسماك والغوص واستخراج اللؤلؤ وانتهاء بنقل المياه والبضائع والركاب من وإلى شواطئ الخليج المختلفة حتى اكتسب العاملون بها وضعا اجتماعيا وماديا أهلهم ليكونوا رموزا في مجتمعهم لذلك اشتغل كثير من البحرينيين في هذه المهنة وتوارثوا ورشها وحرفيتها جيلا عن جيل قبل دخول الصناعات الحديثة للدولة.

ولا شك أن احترافية القلاف البحريني تبدو جلية إذا قارنا بين ما يصنعه وبين ما يتوفر له من مواد ووسائل بسيطة تساعده في شغله، فهو لم يكن يملك من الأدوات غير المنشار بأنواعه، والمجداح، أي المثقاب، والقدوم، والرندة أو ما يعرف بالفارة الآن، والميبر الذي كان يستخدم كإبرة لخياطة الغزل ونسج الشراع، إلا أن القلاف ابتكر بهذه المواد البسيطة أنواع متعددة من السفن منها ما يعرف بـ“البانوش” وهو من السفن متوسطة الحجم، و“الشوعي” المخصص فقط للصيد، و“البتيلة” وهي السفن الكبيرة بمقدمة منحنية وكانت تستخدم للغوص والسفر، و“البوم” وهو النوع الأكبر حجما والأكثر تنوعا في الاستخدام سواء للصيد أو الغوص أو السفر البعيد وكذلك نقل البضائع، و“الجالبوت” المخصص لاستخراج اللؤلؤ، و“البقارة” وهي من السفن الكبيرة التي توقفت صناعتها اليوم.

12