صناعة العقال تندثر في دمشق وتزدهر في حماة

مهنة صناعة العقال تتراجع في العاصمة السورية بعد تطور اللباس العربي في العقود الأخيرة، حيث لم يعد الكثير من الناس وخاصة الشباب يلبسون العقال.
الأربعاء 2019/01/23
مهارة في كسب الرزق

اعتاد الرجال من مختلف الشعوب وضع طاقية على الرأس، وتضع العرب في دول المشرق والخليج وضع العقال، كما يضع الرجال في شمال أفريقيا “الشاشية”، هذا النوع من اللباس بدأ يندثر مع انتشار اللباس العصري القادم من دول الغرب وخاصة لدى الشباب الذين أصبحوا يتفاخرون بقصات شعرهم التي تتنوع كل سنة مع ظهور تسريحات جديدة. لكن رغم ذلك ورغم هذا الانفتاح ما زال العديد من العرب يلبسون العقال ويحافظون عليه تاجا على رؤوسهم يزيدهم هيبة ووقارا وما زالت صناعته تنتشر في سوريا وخاصة في مدينة حماة.

حماة (سوريا) - تعتبر مهنة صناعة العقال إحدى المهن اليدوية التي اشتهر بها حرفيو مدينتي دمشق وحماة السوريتين منذ قديم الزمان، لكنها تراجعت في السنوات الأخيرة لأسباب عديدة، منها اللباس العصري وتراجع عدد السياح والتصدير إلى دول الخليج العربي.

وتراجعت هذه الصناعة في العاصمة السورية بعد تطور اللباس العربي في العقود الأخيرة، حيث لم يعد الكثير من الناس وخاصة الشباب يلبسون العقال، ما جعل ورش العقال في دمشق تقتصر على سوق مدحت باشا، وتقلصت كذلك محلات بيعه وأصبح  يباع في سوق الحميدية وسوق المهن اليدوية مع منتوجات تراثية أخرى، وذلك بعد أن تراجع تصديره إلى دول الخليج وتراجع السياح الذين كانوا يشترونه مع اللباس التقليدي ليتجولوا به في المناطق الأثرية ويأخذون صورا للذكرى.

سكان الريف والبادية في سوريا، لم يتنازلوا بعد بشكل قاطع عن لباس العقال لارتباطه بالعديد من القيم العشائرية القديمة، فمازالوا يقبلون على شرائه، ومازالت ورشات العقال في محافظة حماة ومنطقة الجزيرة تحتل مكانة هامة بين المهن اليدوية التي تشكل مصدر دخل يدر على الحرفيين والعاملين فيها مكاسب مادية جيدة.

ولهذه الحرفة في مدينة حماة التي تقع وسط سوريا، العشرات من الورش التي توفر الكثير من فرص العمل، وخصوصا في صفوف النساء اللواتي تميزن بمهارات شغل وتصنيع العقال الذي يمثل جزءا من مكونات الزي التقليدي العربي لدى الرجال في مناطق البادية السورية وبعض أريافها.

يقول عماد معقد صاحب ورشة لصناعة العقال في مدينة حماة لوكالة الأنباء السورية (سانا)، إن هذه المهنة ترجع إلى المئات من السنين لكون العقال والكوفية كانا من الأزياء التقليدية للرأس عند أغلبية العرب الذين كانوا يتباهون بهما، لأنهما يزينان رؤوسهم، ويضفيان على مظهرهم الخارجي رونقا خاصا وشكلا مميزا، مشيرا إلى أن أسعار العقال تتفاوت طبقا لطريقة صنعه والمواد المكون منها.

سكان الريف والبادية في سوريا، لم يتنازلوا بعد بشكل قاطع عن لباس العقال لارتباطه بالعديد من القيم العشائرية القديمة، فمازالوا يقبلون على شرائه

وللعقال تسميات في بعض المناطق السورية، مثل اسم “البريم”، والاسم هنا جاء من فعل برم، حيث العقال مبروم، و”عقال” كونه يعتبر رباطا للرأس، ومن أشهر أنواعه “المرعز” الذي يعتمد في تصنيعه على الخيوط القطنية المغلفة بخيوط شعر الماعز، ومن أكثر الأصناف شهرة وانتشارا “السنارة” كناية عن أداة السنارة التي تستخدم في تصنيعه، ويوضح عماد أن أبرز المواد الأولية التي تدخل في صناعة العقال هي الحرير الطبيعي وشعر الماعز والصوف والمخمل، بالإضافة إلى خيوط النايلون “البوليستر”.

وعن مراحل تصنيع العقال، أشار الحرفي ثائر جزماتي إلى أن طريقة صناعته تبدأ بتحضير الوجه الخارجي للعقال، حيث يتم لف الخيوط ما بين خطافين متباعدين لمسافة معينة تكون فيها الخيوط متعادلة من حيث الثخانة والشد وقد يصل طول الخيط إلى عشرات الأمتار فيصبح منظرها فريدا ومميزا، ثم يتم لفها بواسطة المغزل قبل أن تلف على الوتر.

 بعدها تحضر الحشوة الداخلية للعقال وهنا يتم استعمال آلة بسيطة تسمى “المسداية” وهي عبارة عن قطعة خشبية ثخينة فيها ثقوب موزعة ما بين اليمين واليسار للف القطن الأسود فوقه وتبرم حتى تصل إلى مستوى معين، وبعد أن تتم تهيئة الوجه الخارجي للعقال يتم تسحيبه دون حله وهذه عملية تحتاج إلى مهارة جيدة.

ويشير إلى أنه بعد عملية اللف يتم الوصل بين طرفي العقال بقطعة من القطن الأسود، بعدها تبدأ عملية الحبك والتكعيب ووضع الشرشوبة، وفي النهاية ترتيب وتجميل العقال عبر حرق الوبر الخارجي وإزالة الخيوط الزائدة وتنظيفه من أي مخلفات.

وتطور شكل العقال منذ القدم وحتى الآن، حيث كان يصنع سابقا على شكل الخوذة الواقية كدائرة سميكة الأطراف يتدلى منها عدد كبير من الشراشب، أو يصنع على حلقتين مزدوجتين تنتهيا بشراشب طويلة، أو من حلقة واحدة ثخينة وتعترض حلقاته فواصل تزينية مبسطة، وكل ذلك لتثبيت الغترة.

وعلى الرغم من دخول الآلة حديثا في حرفة العقال، إلا أن العمل اليدوي مازال أساسيا في هذه الصنعة وخصوصا في التشطيبات النهائية.

يشير الحرفي محمد زعيط إلى أنه مازالت هناك مراحل لا يمكن التعامل معها إلا يدويا كعملية إنهاء وتشطيب العقال التي تسمى باللهجة المحلية التدريس وقولبته وإعطائه الشكل النهائي الذي يحافظ عليه كحلقتين فوق بعضهما خلال وضعه على الرأس لتثبيت الشماخ.  وذكر زعيط أن اللون المتداول والشائع للعقال هو الأسود، علما أنه في الماضي كان يتمتع بألوان مختلفة، منها الأبيض والأصفر والسكري والأخضر.

تاج يزين رؤوس البدو ويمنحهم الوقار
تاج يزين رؤوس البدو ويمنحهم الوقار

ويؤكد شيوخ الكار أن العقال الأبيض كان محصورا بطبقة الأمراء حيث كانت تصنع منه أعداد محدودة فقط.

ولفت زعيط إلى أن معظم الإنتاج كان يتم تصديره إلى بعض الدول العربية التي تفضل العقال المصنع في سوريا تحديدا لجودته العالية والمهارة الفائقة التي يتمتع بها حرفيوها في تصنيع وإنتاج هذا الزي التقليدي.

وللعقال أهمية كبيرة في الأعراف والتقاليد والعادات المتوارثة لدى سكان البادية من القبائل، حيث يعتبر العقال عندهم محل فخر ورجولة وشهامة، ومن بعض العادات التي كانت تتبع سابقا، أنه في حال اعتدت قبيلة على أخرى، يقوم أبناء القبيلة المعتدى عليها بخلع عقالاتهم حتى يردوا المعتدي، ويقسموا بألا يعيدوها إلا إذا استردوا حقوقهم وكرامتهم.

كما يدخل أيضا في عادات الثأر، فإذا قتل شخص على يد شخص آخر، فإن أهل المقتول وخاصة إخوته الشباب وأبناء عمه ووالده يميلون عقالاتهم من على رؤوسهم، في إشارة إلى أن لهم ثارا عند عائلة القتيل ولا يعيدونها مستقيمة حتى يأخذوا ثأرهم. ومن التقاليد الشائعة بين الناس والمتداولة بشكل يومي، أن يقول شخص لآخر “نكست عقالنا”، وذلك إذا قام شخص بعمل مشين وغير مؤدب، فيعتبر أنه أساء لكل أفراد عائلته أو قبيلته.

ومن عادات العقال عند القبائل والعشائر البدوية، إذا جرت مصالحة عشائرية بين عشيرتين في حادث قتل، يقوم أقرب الناس إلى القاتل بخلع عقالات أهله عن رؤوسهم ووضعها في رقابهم على بعد عشرات الأمتار من المكان المخصص للمصالحة، وعادة ما يكون بيت شعر، ويتقدمون إلى ذوي القتيل الجالسين، وعندما تتم المصالحة، إما بدفع الدية أو التنازل عن حقهم، يقوم أهل القتيل بإرجاع عقالات أهل القاتل من أعناقهم إلى رؤوسهم.

وعلى الرغم من التطورات الكبيرة التي طالت حياتنا المعاصرة وتركت بصماتها بشكل واضح على أنماط وأشكال اللباس ما أدى إلى إحجام الكثيرين عن ارتداء العقال ورغبتهم في مواكبة الحداثة وموضة البدلة والقميص، فلا يزال قسم من المجتمع السوري متشبثين بزيهم التقليدي ومحافظين عليه كونه يمثل تراث أجدادهم ورمزا لتقاليدهم وعاداتهم الأصيلة. كما يرون فيه إلى يومنا هذا تاجا يزين رؤوسهم ويمنحهم الوقار والهيبة والراحة.

20