صناعة العود في العراق فن لا يندثر

العود كما وصفه القدامى هو سلطان الآلات وآلة المسرات، وهو أهم الآلات الموسيقية العربية. وتعتبر صناعة العود العراقية من أقدم الصناعات في الوطن العربي وأعرقها، لكن هذه الصناعة تقاوم اليوم رياح الاندثار، حتى أصبح البعض يخاف أن تنقرض هذه الصنعة الفنية، التي تعد من أهم المهن التي اشتهر بها العراقيون منذ الأزل.
الثلاثاء 2016/04/19
أيادي فنان تصنع "طاسة" عود

بغداد - انتشر العود العراقي في أرجاء الوطن العربي لجودته ودقة صناعته، حتى لا يكاد فنان عربي يزور العراق إلا ويعود بعود من أسواق بغداد، لكن صناعة العود تقاوم اليوم الاندثار نتيجة قلة الطلب وشح المواد الأولية وإحجام الأجيال الجديدة عن تعلم صناعة الأجداد.

ومازال ثابت البصري الذي تجاوز السبعين من العمر يعمل على ثني لوح من الخشب وصقله بطريقة دقيقة في بيته بعد ان اغلق ورشته بسبب الأوضاع الامنية.

ويعد البصري من الحرفيين القلائل الذين مازالوا يمارسون المهنة التي يحجم الشباب عن تعلمها. ولا يكتم البصري عن الآخرين أيا من خبراته وتقنيات صناعة العود التي يتقنها قائلا إنه كلما قدم المزيد من خبرته يزيد الله تعالى من معرفته ويجعله من السعداء.

وتحظى أعواد البصري والتي يمكن أن يصل سعر بعضها إلى 5 آلاف دولار للواحد بطلب وإقبال شديد من جانب مطربي الخليج العرب وشخصيات من الأُسر الحاكمة.

واشتهر محمد فاضل العواد بهذه الحرفة، فصنع أشهر الأعواد في العالم كعود فريد الأطرش وعود منير بشير وعود طلال مداح وحتى عود سالم عبدالكريم ونصير شمه، وتجاوز سعر الواحد من أعواده 50 ألف دولار، وقسم منها يوجد حاليا في المتاحف العالمية.

محمد فاضل العواد: عرف بصناعة أشهر الأعواد في العالم، حيث تجاوز سعر الواحد من أعواده 50 ألف دولار، ويوجد قسم كبير منها حاليا في المتاحف العالمية

ويقول صانع العود الفنان نجاح البغدادي "مرت الفترة الذهبية لرواج صناعة آلة العود في العراق، والتي شهدت إقبالا منقطع النظير للفنانين والمطربين العرب حتى أصبح شارع العوادين في حي (جديد حسن باشا) يطلق عليه شارع الفنانين العرب، يتردد عليه نجوم ومشاهير العرب ومنهم وديع الصافي والموسيقار فريد الأطرش والملحن بليغ حمدي والمطرب عبدالله رويشد وغيرهم كثير".

وفي شارع العوادين كانت سيمفونية المطارق التي تعمل على ربط أجزاء العود والعزف على أوتاره تصدح بين زوايا شارع جديد حسن باشا بلا انقطاع حتى ساعات المساء المتأخرة، لكنها تراجعت اليوم حتى سكتت السيمفونية وأغلقت محلات صناعة العود وأصبح الحرفيون يعدّون على أصابع اليد الواحدة.

ويصنع العود على مراحل تستخدم فيها أنواع نادرة من خشب السيسم أسود اللون والأبانوس والصندل والزان والرارنج والمهوكني والجاوي ويتم تشريحها في شكل قطع لصنع "الطاسة"، وهي ظهر العود المقوسِ أما وجهه فيعد أهم قطعة في هذه الآلة الموسيقية.

صناعة تأبى الاندثار

ويؤكد صانع العود نجم العبيدي، أن شهرة بعض صانعي العود جاءت من صناعة الوجه، فبعضهم كان يشتري الطاسة لكي لا يجهد نفسه في صناعتها، ويعتبر أن صوت العود واختلاف أصوات عودين أو أكثر وعدم تشابه أي منهما مع الآخر، يعود إلى طريقة صنع الوجه الذي يعتمدون في حفره على خشب "الجام" الذي أصبح نادرا لقلة استيراده، ويعثرون عليه الآن بواسطة تفكيك أثاث قديم أو من صناديق الشاي القادمة من الهند ويروضونها بطريقة معينة لكي لتطوير بالشكل المناسب بإضافة الزخارف والنقوشا على الوجه، أما "زند" العود (يده) فيصنع من السيسم الهندي ومجموعة بيت مفاتيح الأوتار فيعملونها بطرق النجارة الدقيقة التي يسمونها "الجراخة" من خشب الزان لكونه قويا، وأحجام العود مختلفة بحسب نوع قوالبه، الصغير والمتوسط والكبير، والعود ذو القالب الكبير يعزف عليه الفنانون الكبار.

وتبرز المشكلة الأولى التي تساهم في تراجع صناعة العود، في عدم توفر الخشب المطلوب لصناعة الآلة، فخشب السيسم الذي يعتبر الأهم في صناعة الآلة مفقود في الأسواق العراقية، أما أخشاب الجوز والزان، فهي موجودة ولكن بشكل قليل وبأسعار مرتفعة. ويقول البغدادي "أيام زمان كان فيها العمل لا ينقطع وطلبات الفنانين من مختلف أنحاء الدول العربية، ناهيك عن طلبات الداخل والتي كنا نبيع فيها الأعواد المصنعة للسياح الوافدين إلى العراق والوفود المشاركة في احتفالات رسمية، ولكن الحال تبدل بعد العام 2003 وما جرى وحصل بكل مرافق الحياة ومنها الجانب الفني وقلة المبيعات، حيث لم نكن نعرف مصير هذه المهنة التي لا نستطيع فراقها".

ويقول عامر علي العواد، إن السياح كانوا يتسابقون على اقتناء ما صنعته أيادي حرفيي هذه السوق من أعواد جميلة ومطرزة ولا يبالون بأسعارها لجودتها ولما للعود العراقي من شهرة تاريخية.

ويضيف متحسرا "لم يعد هناك من يرغب في شراء ما نصنعه من أنواع مختلفة لهذه الآلة على خلفية التطرف والتعصب الديني الذي نعيشه الآن في العراق، مما ساهم في إبعاد الناس عن الفنون والمسرح، وهو الأمر الذي أرغم العديد من أصحاب هذه الورش على هجر المهنة واللجوء إلى مهن أخرى من أجل قوتهم اليومي".

ويتحدث سامي نسيم، أستاذ آلة العود عن تاريخ هذه الآلة قائلا، "هناك الكثير من المخطوطات الأثرية التي يعود تاريخها إلى 2350 ق.م، والتي تحمل دلالات واضحة على أن الموطن الأصلي لهذه الآلة هو بلاد الرافدين".

ويدلل نسيم صحة قوله "نجد أن التطور الحاصل في آلة العود على مر العصور الزمنية يكون على أيادي الحرفيين العراقيين". فهناك سلسلة من الأسماء العراقية اللامعة التي اقترنت بهذه الآلة على مر العصور أمثال، النديم وزرياب وإسحاق الموصلي، مرورا بشريف محي الدين ومنير بشير وسلمان شكر، وصولا إلى الجيل الشاب أمثال نصير شمه ومحمد علي. وهذا دليل قاطع على مقولة إن "آلة العود هي آلة العراق الحية على مر العصور".

20