صناعة الفخار في سلطنة عمان.. حرفة الأجداد تنتعش بأيدي الأحفاد

مركز التدريب وإنتاج الفخار والخزف بولاية بهلاء في سلطنة عمان يواصل تكوين أجيال الشباب على إتقان فن الأجداد في تشكيل الطين منذ ثمانينات القرن الماضي.
الاثنين 2019/01/21
معلمون مهرة لطلبة شغوفين

تعدّ صناعة الفخار من الشواهد المميزة لحضارات الشعوب في العالم فهي تعبّر عن مدى تطورها، وعلى بساطة هذه الصناعة لأنها أبسط أشكال الفن، لكنها في الواقع من أصعب الحرف، فهي الأبسط لأن لها طبيعة بدائية، ومع ذلك فهي الأصعب لأنها تنطوي على شكل من أشكال الفن. وتعتبر الصناعات الفخارية في عُمان من الصناعات القديمة ويرجع سبب الاهتمام بها لتعدد استعمالاتها في الحياة اليومية، وتعتبر ولاية بهلاء بمحافظة الداخلية الموطن الأصلي للتربة الصالحة للصناعات الفخارية، وهي اليوم مازالت تعلّم الأجيال الجديدة هذه الحرفة الفنية في مركز التدريب وإنتاج الفخار والخزف.

بهلاء (عمان)- تعدّ ولاية بهلاء بمحافظة الداخلية من الولايات العمانية العريقة التي تشتهر بالعديد من الصناعات والحرف التقليدية التي لا يزال أهالي الولاية يتمسكون بها كجزء من موروثهم الحضاري.

ومن أبرز هذه الصناعات التقليدية التي تشتهر بها الولاية صناعة الفخار والخزف، حيث كانت الولاية ولا تزال مركزًا لهذه الصناعة، ويعود تاريخ صناعة أول فخاريات وجدت في السلطنة إلى بداية الألف الثالث قبل الميلاد.

وشهدت صناعة الفخار في بهلاء رواجا كبيرا في الأزمنة القديمة، وتعتبر واحة بهلاء من المراكز الأساسية لهذه الصناعة، وقد لاقى فخار بهلاء انتشارا واسع النطاق حيث أن الأثريين حددوا له تقنية خاصة عرفت باسم “تقنية فخار بهلاء” تمييزًا له عن باقي أنواع الفخار المنتشر في السلطنة سواءً المحلي أو المستورد.

الأواني الفخارية تعاني اليوم من هجرة العمانيين إلى الأواني العصرية بمختلف أنواعها ولم يعُد يقتصر وجودها في البيوت إلا على الديكور، لكنّ السياح الذين يتوافدون على محافظة الداخلية ينتقلون إلى البلهاء للتعرّف على كيفية صناعة الفخار وعلى المنتجات الفخارية التي يتمّ صنعها. وتتويجا لإعجابهم بهذه الحرفة يشتري السياح هدايا وتذكارات تظل ديكورا في منازلهم وشواهد على رحلة واكتشافهم للتراث العماني. وللمحافظة على هذه الحرفة والاهتمام بها قامت الحكومة بإنشاء مركز خاصّ لتدريب وإنتاج الفخار والخزف ببهلاء.

الآلات الحديثة ساهمت في تطوير الصناعة
الآلات الحديثة ساهمت في تطوير الصناعة

يقول ناصر بن حميد اليحيائي مدير المركز، “تم إنشاء مركز التدريب وإنتاج الفخار والخزف في ولاية بهلاء عام 1976، وافتتح رسميا في عام 1986، وتم اختيار ولاية بهلاء مقرّا له كونها تحتضن هذه الصناعة منذ العصور القديمة، إلى جانب وجود أمهر صنّاع الفخار والخزف بها، ووجود عدد من المصانع الأهلية التي تصنع الكثير من المنتجات الفخارية المختلفة، ويهدف المركز إلى المحافظة على هذه الصناعة وتطويرها”. وكان الحرفي في عمان يحوّل الطين إلى أشكال وتصميمات عديدة عن طريق الدولاب ثم الشوي في النار بالأفران أو ما يسمى بـ”القمائن”، كما كان يجففه في الهواء والشمس ليعطي لمنتجاته اللون الأحمر أو الأسود حسب أكاسيد المعادن الموجودة بمادة الطين، وكان يزيّنه ويصقله قبل الحرق أو بعده.

وتطوّرت هذه المهنة اليوم مع التطوّر التكنولوجي، يقول اليحيائي لوكالة الأنباء العمانية، “إن منتجات المركز تختلف عن منتجات الأهالي، وتعتبر الأكثر تطورا في الصناعة العصرية بسبب توفر الآلات المتطورة والأفران الكبيرة التي تستخدم في عملية التصنيع”.

وفي عام 2004، تم تزويد المركز بأفران كهربائية متطورة، وآلات حديثة رفعت من الإنتاج الكمي والنوعي مع مراعاة جودة المنتج الخزفي العماني، وشملت المنتجات النفعية ذات الطلب الكبير في الأسواق المحلية، والمنتجات الجمالية المزخرفة والمنقوشة والمفرغة المضاف إليها اللون الذهبي الجذّاب.

وأوضح مدير مركز تدريب وإنتاج الفخار والخزف ببهلاء أن المركز ينقسم إلى قسمين، قسم التدريب، ويهتم بالتدريب العملي والنظري للكوادر العمانية الشابة ذكورا وإناثا، ويستمر لمدة سنتين متتاليتين حيث يتم تدريب 20 متدربا ومتدربة، وبعد ذلك من الممكن أن يفتتحوا مشروعا صغيرا، ويبدؤوا العمل فيه ويدخل بمنتجات جديدة تواكب متطلبات المواطن والسائح.

والقسم الثاني في المركز هو قسم الإنتاج، حيث تمرّ صناعة الفخار بمراحل عديدة تبدأ بجلب التربة الخاصة لصناعة الفخار وتنقسم هذه التربة إلى ثلاثة أنواع (الخضراء والحمراء والبيضاء)، ويتم خلط التربة بالماء من خلال الآلة الخاصة بهذه المهمة والمعدّة للمزج والخلط السريع، ثم توصل هذه الخلطة بواسطة الأنابيب إلى أحواض خاصة تحت الأرض لتجفيف الطين، وبعد جفاف الماء وجاهزية العجينة يتم إخراج الطين من الأحواض ثم عجنه بواسطة آلات خاصة للعجن، وبعدها تكون العجينة طرية وجاهزة لمرحلة التصنيع، حيث تؤخذ الكمية المناسبة من الطين للقطعة المراد تصنيعها وتوضع على دواليب الصناعة الحديثة ويتم تشكيل الآنية المراد صنعها وتزخرف حسب الحجم المطلوب، ومن ثمّ يتم تجفيف الأواني وتجميعها قبل القيام بمرحلة الحرق.

تدخل في صناعة الفخار تربة الصربوخ من ولاية الحمراء والتربة الحجرية من مسقط والتربة البيضاء من جزيرة مصيرة

وبعد جفافها وجاهزيتها توضع الأواني في فرن خاص بعملية الحرق لمدة تتعدى ثلاثة أيام، حيث تصل درجة الحرارة داخل الفرن إلى أكثر من ألف درجة مئوية، وبعد التأكد من انخفاض درجة حرارة الفرن لأقل من 50 درجة مئوية يتم إخراج الأواني وتكون جاهزة لعرضها للبيع، بينما تخضع أوانٍ أخرى لعملية التلوين بالأصباغ وإدخالها مرة أخرى في فرن مخصص لهذا الغرض.

وأشار اليحيائي بأن المركز ينتج يوميا 100 ملة (آنية فخارية) مختلفة الأحجام و150 صحنا و30 قطعة بيضاء و40 قطعة من الطينة السائلة وكذلك يتم طلاء 200 قطعة يوميا بمختلف الأحجام والأنواع، وهذا يعتبر قيمة مضافة من الإنتاج اليومي للمركز بجانب التدريب المستمر.

وقد ساهمت الآلات الحديثة في تطوير الصناعة وسرعة إنجازها مع المحافظة على الآلات القديمة، حيث لا يزال يحتفظ بها في إحدى غرف المصنع وذلك لتعريف السياح والزائرين بالماضي العريق لهذه الحرفة.

ومن أهم المنتجات التي يتم صنعها في المركز وتجد رواجا (الجحال) وهي آنية لتبريد الماء و(الخروس) وهي أوانٍ فخارية كبيرة تستخدم للتخزين والمجامر أو المباخر التي تستخدم لحرق البخور، والمزهريات وتستخدم لزراعة الشتلات وللزينة، كما يتم في المركز صناعة عدد من المجسمات كالقلاع والحصون وغيرها.

وأضاف اليحيائي، أن السياح من مختلف الجنسيات يأتون إلى ولاية بهلاء بهدف التعرف على الحرف التقليدية في الولاية، خاصة صناعة الفخار، من حيث كيفية تشكيله والمراحل التي يمر بها والمنتجات التي تصنع منه.

الجدير بالذكر أنه تدخل في صناعة الفخار أربعة أنواع من التربة وهي تربة المدر من ولاية بهلاء وتربة الصربوخ من ولاية الحمراء والتربة الحجرية من محافظة مسقط وولاية الحمراء، والتربة البيضاء من ولاية محوت وجزيرة مصيرة.

20