صناعة "الكذب الصادق".. سيصعب تصديقنا إلا مانرى بالعين

على الصحافيين استلهام أساليب المختبرات الجنائية للتحقق من الفيديوات المُخْتَلقة التي تُصنع بأرقى الآليات التقنية والتكنولوجية.
الاثنين 2019/11/25
الكذب أصبح صناعة متطورة

سيفقد المثل العربي القائل “ليس من سمع كمن رأى” معناه في حضرة الفيديوات المُخْتَلقة إذ سيكون من لم يسمع ومن لم ير أفضل وضعا في ملاذ من الأخبار الكاذبة. كان رأي العين طريقا إلى اليقين وسيصبح أحيانا كثيرة مصداق مختلقي الفيديوات.

لم يصدق أحد من الثلاثة ملايين مشاهد أن الفيديو الذي نشره موقع “بوزفيد” لباراك أوباما وهو يشتم دونالد ترامب بأقذع الكلام كان فيديو مُخْتَلقا. كان ذلك يوم 17 أبريل 2018 حتى نشر الموقع توضيحا، بعد أن شاهده أولئك، للقول إن الفيديو مُخْتَلق صُنع بالتعاون مع جامعة واشنطن بتقنيات الذكاء الصناعي لتوعية الناس بخطر الفيديوات القادم.

إن مثل ذلك الفيديو مختلف تماما عمّا عهدناه من صور وفيديوهات يتلاعب بها بعضهم بالإضافة أو الحذف أو التعديل، بل هي فيديوهات منشأة إنشاء أوّلا، تمكّن من يملك التقنية من أن يُقوّل أي شخص ما لم يقله أبدا وأن يجعله يفعل ما لم يفعله أبدا. هي التقنية المسماة بالإنكليزية “ديب فايك” وهي الأخبار الكاذبة لا بالنص بل بالصورة والصوت.

ولا يكاد ينقضي يوم دون أن تنشر كبريات الصحف الأميركية مقالات تحذر فيها من خطر تلك الفيديوات الداهم بقرب حلول الانتخابات الرئاسية بعد أقل من عام. وكان آخر تلك المقالات لصحيفة “وول ستريت جورنال” الجمعة 22 نوفمبر بعنوان “شركات التكنولوجيا تضاعف جهودها لمقاومة الفيديوات المُخْتَلقة” بعد أن أظهرت آخر الإحصاءات أن عددها زاد بنسبة 100 بالمئة هذا العام.

لقد نشر الباحثون الذين أنشأوا فيديو أوباما وهو يشتم ترامب مقطعا يفسّر التكنولوجيا المستخدمة: يجلس ممثلٌ أمام الكاميرا ويغير قسمات وجهه فيولّد الكمبيوتر التعبيرات نفسها، في الوقت ذاته، على وجه أوباما على شريط فيديو مسجل. عندما يهز الممثل رأسه، يهز أوباما رأسه أيضًا. عندما يتحدث الممثل يتحدث أوباما كذلك. إنْ هو ضحك يضحك وإن هو رمَشَت عينُه ترمش عينُه…

إنها تكنولوجيا الذكاء الصناعي بتطبيقة متداولة عند تقنيي الفيديو ويعرفها صحافيو التلفزيون جيدا، هي “أدوب أفتر إيفاكت”، تضاف إليها تطبيقة أخرى جديدة اسمها “ديب آب” متداولة على منصة “رِدِّيتْ” منذ 2017. لقد أحصت مؤسسة “دِيب ترايْس” المختصة في تعقب “الفيديوات المُخْتَلقة” خمسة عشر ألف فيديو لا ترتقي إلى جودة فيديو أوباما حرفيةً في الكذب غير أن درجة حرفيتها باتت تنذر بالخطر.

«صدق الكذب» في الفيديوات المُخْتَلقة سيقود حتما إلى تكذيب الفيديوات الصادقة وهو  ما يسمى بـ«ربح الكذب»

يوم 26 سبتمبر 2016، في خضم الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية، نشر موقع أميركي، “أندينغ ذو فاد”، بلاغا عن الفاتيكان يساند انتخاب ترامب رئيسا فسرى كالنار في الهشيم. نشرت الصحافة الأميركية أن البلاغ كان أكثر المنشورات تداولا على الإطلاق أثناء الحملة حتى اكتشفوا أنه كاذب. مثل ذلك البلاغ سيكون، إن حدث، صوتا وصورة يساند فيه البابا انتخاب ترامب أو منافسه.

لقد عانت الصحافة كثيرا من الأخبار الكاذبة على امتداد السنوات الخمس الماضية وستكبر معاناتها أضعافا في قادم السنوات.

وسبب تلك المعاناة صعوبةُ التحري في الفيديوات صادقة أم كاذبة. فإذا تقبل الناس بيسر تكذيب بلاغ الفاتيكان المساند لترامب قد لا يفعلون إذا صادفهم البابا يسانده صوتا وصورة. فالخطر الأول أن الناس يميلون إلى تصديق ما يرون أكثر من تصديق ما يسمعون والفيديوات المُخْتَلقة تكذب بصدق ودقة. أما الخطر الثاني فهو صعوبة إثبات كذبها حتى في أفضل الالمختبرات عندما ينجزها محترفون.

وليس أدل على ذلك من إطلاق وزارة الدفاع الأميركية عام 2016 برنامجا واسعا مع عشرة فرق بحث في عدد من الجامعات ومن مؤسسات الصناعات التكنولوجية لتطوير أساليب التعرف على الفيديوات المُخْتَلقة. ويتمثل البرنامج الذي يشرف عليه قسم “مشاريع بحوث الدفاع المتقدمة” في الوزارة في الاستلهام من أساليب الالمختبرات الجنائية في تقفي آثار الجرائم والمجرمين. ويعتبر البنتاغون اكتشاف الفيديوات المُخْتَلقة من صميم السياسات الدفاعية الأميركية.

ويُظهر مشروع وزارة الدفاع الأميركية الورطة التي يقع فيها الصحافيون الذين لن يكونوا أكثر خبرة من العسكريين في التحري في الفيديوات. وهناك ما يشبه جوا من العجز في قاعات التحرير وتململا من وضع جديد سيفرض على الصحافيين مهنيين آخرين لمساعدتهم في أداء مهامهم إذ لن تكون مهنة التحري والتدقيق حكرا على الصحافيين. وليس ذلك من المحصول الحاصل لأن المؤسسات الإعلامية في معظمها ليست مستعدة لتحمل تكاليف إنتاج جديدة.

دول اختارت تأسيس مراكز لكشف الأخبار الزائفة
دول اختارت تأسيس مراكز لكشف الأخبار الزائفة 

وستزداد الأمور تعقيدا في التحري إذ أنّ “صدق الكذب” في الفيديوات المُخْتَلقة سيقود حتما إلى تكذيب بعض الفيديوات الصادقة لغايات تخدم البعض وهو ما أصبح يسمى “ربح الكذب”. وقد حدث ذلك عام 2016 لما نفى ترامب الفيديو الذي راج عنه يتبجّح فيه بتعنيف النساء محاجّا بأنه مُخْتَلق حتى تمكنت صحيفة “واشنطن بوست” من إثبات أن صوت المتكلم في الفيديو هو صوت ترامب نفسه فاعتذر. لكن كم عدد الصحف التي تملك خبرة واشنطن بوست وإمكاناتها؟

ويخطئ من يتخيل أن مشكلة الفيديوات المُخْتَلقة شأن أميركي بحت وأن البلدان الأخرى في منأى عن الأمر. لقد حدث أكبر توظيف لها في مجال الصحافة والسياسة في أفريقيا، في الغابون عام 2018. وتورد صحيفة نيويورك تايمز يوم 10 يونيو الماضي أن محاولة الإطاحة بالرئيس الغابوني علي بونغو يوم 7 يناير 2019 كانت نتيجة فيديو مختلق عن موت الرئيس. لم يصدق المنقلبون أن بونغو ما زال حيا حتى عندما هنأ شعبه في فيديو بُثّ الأول من يناير بمناسبة العام الجديد.

وتتمثل الوقائع في أن علي بونغو كان مقيما في مستشفى خارج البلاد أواخر العام الماضي حين راجت أخبار عن إصابته بجلطة دماغية في جو سياسي متوتر تلا الإعلان عن الانتخابات التي فاز بها. يوم 6 نوفمبر 2018 راجت إشاعة وفاته فاستضاف التلفزيون الحكومي السفير الغابوني في باريس الذي نفى الأمر فعمد مزوّرون إلى تقويل السفير إن الرئيس مات ونُشر الفيديو على الشبكات الاجتماعية ونقلتها وسائل إعلام.

إن بيئة الشبكات الاجتماعية في صناعة “الكذب الصادق” وترويجه تكنولوجيا واحدة هنا وهناك. ولا تعني جودة البنية التحتية التكنولوجية، كما هو شأن الولايات المتحدة، انتشارا أوسع للفيديوهات المُخْتَلقة، فهي تنتشر حتى في البنية التحتية التكنولوجية ذات السعة المحدودة. وسبب ذلك أن الفيديوات ذات الجودة العالية جدا لا تنتشر بسرعة فيقلل المزوّرون من حجمها أي من جودتها كما ينبغي ضغطها حتى تنتشر بسهولة.

ومن المفارقة أن الفيديوات ذات الجودة العالية جدا تحمل تفاصيل تقنية كثيرة تمكن من التعرف على تزويرها، إن كانت مُخْتَلقة، بطريقة أسهل غير أنها لا تُنشر بتلك الجودة، كما أنه من المفارقة أن تكون البنية التحتية التكنولوجية الضعيفة حقلا أكثر خصوبة للفيديوهات المُخْتَلقة التي تُصنع بأرقى الآليات التقنية والتكنولوجية.

ولا يعاني الإعلام في مجال الفيديوات المُخْتَلقة من البيئة التكنولوجية وحدها بل البشرية كذلك. ففي يونيو الماضي انتشر فيديو مختلق يظهر رئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، وهي سكرانة فانتشر الفيديو بسرعة كبيرة مما حدا بعدد من الصحف إلى القول إن هناك من نشر الفيديو وهو يعلم لرداءته أنه مختلق إنما فعل لانتمائه السياسي المناهض لرئيسة مجلس النواب ومساندة ترامب.

فنشْر الزائف من الأخبار يكون أحيانا كثيرة لغايات سياسية بصرف النظر عن صدق الأخبار أو كذبها ويكون لغايات أخرى مثل التلهي كما حدث مع الفيديو الذي يظهر البابا وهو ينجز خدعا بصرية مثل تلك التي ينفذها العارضون أمام أطفال المدارس، الأمر الذي قاده إلى الحديث عن ضرورة التوقي مما سماه بالبربرية التكنولوجية.

وهناك الأسوأ وهي التجارة بالأخلاق. لقد أحصت مؤسسة ديب ترايْس في تقريرها السنوي لعام 2019 أن 96 بالمئة من الفيديوات المختلقة فيديوهات عُرْي وأن معظم ضحاياها من النساء. وقد عادت التطبيقة المستخدمة في صنعها، ديب نيُود، بشكل لافت في يوليو الماضي على منصات الفيديو. وسيثير الأمر قلقا متزايد في مسألة التصوير لأن مثل تلك التطبيقة تعرّض أي امرأة إلى أوضاع مخلة انطلاقا من مقطع فيديو عادي تُصوَّر فيه وهي في ثيابها، تماما كما حدث مع أوباما الذي قوّلوه ما لم يقُل.

أين الفيديو من صور رجل ساحة تيان آن مان يتحدى دبابات نظام بيكين ومن صور حرب الفيتنام وصور حرب بيافرا… صور فضحت مصائب كبيرة. سيكون من الصعب أن نصدق مستقبلا ما نرى إلاّ عينا.

18