صناعة الموصل العريقة تكافح للنهوض من الرماد

فرص ضئيلة لعودة نشاط المصانع في معقل الصناعة العراقية بعد تدميرها و نهبها خلال احتلال داعش للمدينة.
الأربعاء 2019/10/23
البحث عن بداية جديدة

يقاوم الكثير من أصحاب المصانع العريقة في الموصل أسباب التشاؤم الكثيرة وهم يحاولون استعادة أمجاد المدينة، التي كانت توفر الكثير من حاجات البلاد وتصدر منتجاتها الفاخرة إلى أنحاء العالم.

 الموصل (العراق)  - تسعى مدينة الموصل، ثاني أكبر مدن العراق بعد العاصمة بغداد، لاستعادة مكانتها التاريخية كأحد أكبر المراكز الصناعية والتجارية في البلاد، حيث يكافح آلاف الصناعيين والحرفيين لإعادة فتح مصانعها تدريجيا في ظل عقبات
كبيرة.

وتواجه جهود إحياء القطاع الصناعي تحديات كبيرة بينها صعوبات استيراد المعدات التي يحتاجونها وعدم إصلاح البنية التحتية، رغم مرور عامين على دحر تنظيم داعش من المدينة، الذي أدى إلى تدمير جميع المعامل والمصانع.

كما تواجه خطط استئناف الإنتاج منافسة شرسة من المنتجات التركية والإيرانية، التي تغرق الأسواق وتبدد الجدوى الاقتصادية لمعظم المشاريع التي كانت تشتهر بها المدينة.

وقبل خمس سنوات، عندما جعل تنظيم داعش من الموصل عاصمة “الخلافة” في العراق، توقفت الصادرات والصناعة فجأة. وفي الوقت الذي تتعافى فيه خطوط التصدير ببطء اليوم، احتلت الواردات الأسواق، وتبدو إزاحتها مستحيلة بسبب حرب الأسعار.

ونسبت وكالة الصحافة الفرنسية إلى عصام سعدالله (33 عاما) قوله إنه استأنف العمل في معمله الصغير لإنتاج الألبان ومشتقات الحليب في الشطر الغربي من الموصل منذ مدة قصيرة، بعد أن كان مدمرا “بنسبة 60 بالمئة نتيجة القصف الجوي الذي صاحب عمليات التحرير”.

ووضع سعدالله كل مدخراته في مشروعه واقترض بعض المال من أقاربه أيضا في محاولة للخروج من مرحلة الحرب وثلاث سنوات من حكم الجهاديين، والتي كانت الموصل خلالها “منقطعة عن العالم الخارجي وتعاني إغلاق المعامل لأبوابها”.

بداية التعافي من حكم تنظيم داعش الوحشي
بداية التعافي من حكم تنظيم داعش الوحشي 

لكن بالنسبة لما يقارب مليوني شخص من سكان الموصل الذين خنقتهم البطالة والفقر المدقع، فقد لجأوا إلى الخيار الأسهل وهو الاعتماد على المنتجات المستوردة.

ويقول نظير عبدالله البالغ من العمر 26 عاما، والذي يحصل على راتب قليل من عمله في أحد المطاعم إنه يشتري “البضاعة المستوردة وخصوصا الصينية، لأن أسعارها رخيصة رغم أنها رديئة”.

وبالنسبة لعبدالله تبدو الحسابات واضحة ولا تحتاج إلى تفكير، حين يكون أمام خيار شراء قدر من الجبن الأبيض الموصلي بنحو ألفي دينار (أقل من دولارين بقليل) أو قدر أكبر بكثير من الجبن الأبيض التركي بذات المبلغ وهو ينحاز بسرعة إلى الخيار الثاني لتوفير قوت أكثر لعائلته.

ويعد شراء السلع الأجنبية أمرا جديدا في الموصل، حيث كان القطاع الخاص يفخر بوجود 350 مصنعا حتى منتصف عام 2014.

وكانت الموصل توفر لمعظم سكان العراق الكثير من حاجاتهم الاستهلاكية، التي تمتد من الأدوية إلى منتجات الصناعات الكيميائية والزراعية، التي كانت تصنعها الدولة في المدينة، التي كانت تعتبر أيضا “سلة حبوب” البلاد.

كما كانت مصانع الإسمنت في الموصل تنتج أكثر من مليون طن سنويا بجودة عالية. وكانت أقمشة الموسلين القطنية الفاخرة حتى عام 1990 تتدفق إلى باريس وغيرها من عواصم العالم، إضافة إلى الإسمنت الموصلي، الذي كان يصدر إلى بلدان كثيرة بينها سنغافورة.

لكن مع احتلال تنظيم داعش للمدينة، تم الاستيلاء على جميع وحدات الإنتاج أو إغلاقها بالقوة من قبل الجهاديين. وبحسب البنك الدولي، أعيد بيع ما يصل إلى 80 بالمئة من معدات تلك المصانع خارج البلاد أو تم تحويلها لصناعة الأسلحة.

وهُجرت مصانع عدة بسبب نقص المواد الأولية أو بسبب نزوح اليد العاملة الماهرة إلى المخيمات. أما بالنسبة للطلب، فقد انخفض، حيث كان السكان يفكرون في البقاء على قيد الحياة أكثر من الإنفاق.

ورغم تحرير المدينة منذ عامين لا تزال منتجاتها غير قادرة على سلك طريق التصدير. فقد تضاعفت الحواجز الأمنية في كل الأنحاء، وبعضها متضرر أو يتعرض لهجمات متكررة من الخلايا الجهادية النائمة.

رغم الصعوبات العراق يعود للإنتاج
رغم الصعوبات العراق يعود للإنتاج 

وعندما لا تقوم القوات النظامية بإغلاق الطرقات، تقوم بعض الفصائل المسلحة بذلك.

وقد أثار هذا الموضوع في الآونة الأخيرة، أزمة سياسية بين بغداد وفصيل مسلح تابع لأقلية الشبك الشيعية، بعد رفضه في مناسبتين الامتثال لأمر رئيس الوزراء. وقرر الإبقاء على نقاط التفتيش الخاصة به على الطريق الرئيسية بين الموصل وإقليم كردستان العراق.

ويوضح مركز دراسات تشاتام هاوس أن نقاط التفتيش تبتز العابرين وأن “تلك العائدات حيوية للجماعات المسلحة” التي تسعى إلى الحفاظ على وجودها بعد انتهاء المعارك.

وتقول المنظمة الدولية للهجرة، التي تساعد رواد الأعمال على بدء أعمالهم التجارية، إن المشكلة الكبرى الأخرى هي “انعدام المساواة في الوصول” إلى الخدمات العامة.

ويشكو هاشم النجار، الذي أعاد إطلاق إنتاجه من الأنابيب والدلاء والأواني البلاستيكية من أن “الكهرباء اليوم متردية وعملنا يعتمد عليها كثيرا”.

ويستذكر وهو يحاول مساعدة عماله، حقبة ما قبل احتلال تنظيم داعش للمدينة، ويقول إن المؤسسات العائلية في الموصل كانت تزود محافظات العراق بالبضائع لأن “الطريق سهل وآمن”.

ويضيف أن المصانع التي استأنفت عملها لا تبيع اليوم إلا في مدينة الموصل وضواحيها في شمال غرب العراق. بل إنها تواجه حتى في تلك المنطقة منافسة “المنتوج المستورد من الدول المجاورة من إيران وتركيا والسعودية”.

ويقول عبدالمهيمن الحمداني (45 عاما) وهو صاحب أحد المصانع في الموصل، إنه من المستحيل تخفيض الأسعار للمنافسة مع المنتجات المستوردة الرخيصة.

ويؤكد لوكالة الصحافة الفرنسية أن المطلوب هو فرض ضرائب على الواردات، لجعل المنافسة عادلة، في وقت يتعرض فيه المنتجون المحليون لعقبات كبيرة مثل “ارتفاع الإيجارات وتكاليف النقل”.

ويرى الخبير الاقتصادي خالد حامد أن العودة إلى العصر الذهبي قبل احتلال تنظيم داعش يتطلب “دعما حكوميا لإعادة الروح للمعامل في الموصل وإصلاح البنية التحتية وتوفير جهاز مصرفي متكامل” في بلد يصنف البنك الدولي نظامه المصرفي بـ”المتخلف”.

الأيادي العراقية تصنع المعجزات
الأيادي العراقية تصنع المعجزات

 

10