صناعة النخب المحلية إشكالية تؤرق المشهد السياسي في المغرب

لم تنجح النخب السياسية في المغرب في استثمار المكاسب السياسية التي حققها المغرب عقب دستور 2011، حيث يعاني المشهد السياسي حالة ركود وتكلس فكري وضمور للممارسة الديمقراطية الداخلية، نتيجة براغماتية التحالفات الحزبية، والثقافة السياسية الجديدة، وهو ما أدى إلى عزوف الفئات الشابة عن المشاركة في الحياة السياسية وضعف التفاعل لتراجع الأداء السياسي للنخب، وما يستدعي طبقا لذلك ضرورة إعادة تشكيل وتجديد المشهد السياسي المغربي.
الاثنين 2017/04/10
مهام وتحديات على عاتق النخبة السياسية المغربية الجديدة

تعتبر نظرية النخبة السياسية من أهم الإشكاليات التي تطرق إليها علم الاجتماع السياسي، وإن تختلف تعريفات هذا المفهوم، إلا أن المقاربات السوسيولوجية تتفق على أن “النخبة” أو “الصفوة”، هم مجموعة من الأشخاص الأكثر قدرة ومعرفة من غيرهم، لما يتمتعون به من قدرة تأثير سياسية كبيرة في مجتمعاتهم.

ويعرف “رايت ميلز” عالم الاجتماع الألماني النخبة السياسية بامتلاكها إمكانية اتخاذ القرار، أما هارولد دوايت لاسويل عالم الاجتماع الأميركي فيصفها بقدرتها على التأثير أكثر من غيرها.

وطرحت “العرب” إشكالية النخب السياسية في المغرب، حيث يأخذ الحديث عن النخبة السياسية بالمغرب مسالك متشعبة ومتقاطعة لا من حيث ثقافتها المرجعية التي تؤسس عليها خطاباتها، أو للأدوار التي يمكن أن تلعبها داخل النسق السياسي والاجتماعي، بل لقدرتها على اتخاذ القرار وصناعته والتأثير في مجريات الأمور سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.

وللحديث عن النخبة السياسية بالمغرب ومدى التزامها بهموم المجتمع وتحولاته القيمية والاقتصادية والسوسيوثقافية لابد من المرور بكرونولوجيا “التسلسل الزمني” التي تلت انهيار جدار برلين بالنسبة للنخب اليسارية، مرورا بأحداث 11 سمبتمبر 2001 بالنسبة للنخب المنضوية تحت لواء الجماعات والهيئات السياسية ذات التوجهات الدينية، وصولا إلى مرحلة اجتياح العولمة المتأمركة مع انطلاق نظرية الفوضى الخلاقة التي أعقبها ما سمي بالربيع العربي.

ويرى كل من عبدالحكيم قرمان الأستاذ الجامعي، ونائب رئيس مركز الدراسات والأبحاث عزيز بلال، خلال حديثهما لـ”العرب” أن كل هذه العوامل كان لها بالغ التأثير والأثر في تشرذم الجزء اليساري للنخب السياسية التقليدية القائمة مبادئها على الانصهار بهموم الشعب، والالتزام بالنضال من أجل إرساء مجتمع الحريات والعدالة الاجتماعية والمساواة.

وأفرزت ديناميات نكوصية محافظة ومتطرفة في جزئها الموسوم بحركات الإسلام السياسي، والتي اجتاحت الفضاءات الشعبية والجامعية، واشتغلت بمختلف الوسائل عن تحوير الزخم السياسي، مستفيدة من التراكمات التي خلفتها النخبة السياسية المنتمية إلى الصف الوطني الديمقراطي والتقدمي لعقود من النضال والممانعة.

إشكالية صناعة النخب المحلية تعد من الإشكالات البنيوية للمشهد السياسي والمرتبطة بطبيعة المنظومة الحزبية

واقع صناعة النخب المحلية

عادة ما ينظر إلى النخبة السياسية باعتبارها نموذجا للتحديث وقاطرة ذات أهمية قصوى للإصلاح بل وحتى شعلة ضرورية لإحداث تغييرات ثورية داخل مجتمعاتها، لكن هناك من الباحثين في الشأن السياسي المغربي من يؤكد غياب أو تغييب مفهوم المصلحة العامة أمام طغيان المصلحة الفردية والانتهازية لدى فئة من هذه النخبة.

ولا يفند عبدالحكيم قرمان ما وصفه ببزوغ ثقافة سياسية جديدة على المشهد السياسي المغربي مع بدايات الانتقال نحو الديمقراطية بداية من عام الألفين، حيث يشير إلى ظهور طبقة جديدة من “المناضلين المتهافتين على السلطة الذين يقيمون علاقات بعالم المال والأعمال وملاك الأرصدة والاستثمارات الكبرى والأعيان”.

ويلفت جواد الرباع الباحث في العلوم السياسية والمهتم بقضايا التنمية والسياسات العامة بجامعة مراكش إلى أن “إشكالية صناعة النخب المحلية تعد من الإشكالات البنيوية للمشهد السياسي المغربي والمرتبطة بشكل كبير بطبيعة المنظومة الحزبية وطبيعة التعددية الحزبية”.

ناهيك عن غياب الديمقراطية الداخلية للأحزاب وضعف الولاء الأيديولوجي للحزب نتيجة ظاهرة الترحال السياسي أو ما يسمى “الكائنات الانتخابية” التي هيمنت على الانتخابات المحلية في سبتمبر 2015، وخصوصا تحالفات وانتخابات مجلس المستشارين (الناخبين الكبار).

أزمة النخبة السياسية

يعتقد عبدالحكيم قرمان أن “النخب السياسية عموما والحزبية على وجه التحديد في المغرب، أصابها الترهل التنظيمي والتكلس الفكري وضمور الممارسة الديمقراطية الداخلية، وخفوت تداول وتجديد النخب الشابة، وشيخوخة قياداتها ‘زعاماتها’ التاريخية”.

ونجم عن ذلك تجلي أزمة واضحة داخل النخبة السياسية بالمغرب أدت إلى انقسامات كثيرة أضعفت المشهد السياسي وشتتت أحلام وقناعات النخب السياسية، لتغرس عوضا عن ذلك أوهام الترقي الاجتماعي، وتملك الجاه المجتمعي ومراكمة النفوذ والثروة.

ويخلص قرمان إلى أن هذه الأزمة أفرزت تباينا وتباعدا كبيرين تدريجيا بين فكر وممارسة هذه النخب السياسية، وبين واقع حال المجتمع المغربي وتطلعاته الحقيقية، ويشير إلى تنامي ظاهرة العزوف عن الشأن السياسي لدى فئات عريضة من المجتمع خاصة منها الفئة الشابة.

ويرجع جواد الرباع أزمة النخبة السياسية بالمغرب إلى “ضعف وتراجع العرض السياسي المقدم ما بعد دستور 2011، خصوصا النزعة التراجعية أو النكوص السياسي الذي ميز صياغة القوانين التنظيمية وسيادة منطق الهيمنة والسلطوية”.

ويرى الرباع أن “استمرار ظاهرة الترحال السياسي (الكائنات الانتخابية) سوف يعمق من أزمة النخب، وأن غياب الفاعلية وجاذبية العمل السياسي والحزبي سيؤدي إلى استمرار العزوف السياسي وفقدان الثقة في العمل السياسي”.

وفي ما يخص المشاركة النسوية في الحياة السياسية والحزبية، يلاحظ في المغرب تواجد العديد من المشاريع والمبادرات والمجهودات التي تحمل على عاتقها مسؤولية تبوء المرأة المغربية مكانة لائقة في المشهد السياسي والحزبي المغربي، رغم ما توحي به أزمة النخبة السياسية بالمغرب من واقع يبدو غير صحي.

يلاحظ في المغرب تواجد العديد من المبادرات والمجهودات التي تحمل على عاتقها مسؤولية تبوء المرأة المغربية مكانة لائقة في المشهد السياسي والحزبي المغربي

ويشير قانون الأحزاب المغربي إلى ضرورة وجود المرأة داخل هذه الأحزاب، حيث نص في مادته عدد 22 على ضرورة تخصيص نسبة 20 في المئة للنساء داخل المكاتب السياسية لها، معتمدا على ما أكده الفصل الـ19 من دستور 2011 حول المناصفة.

ويلفت القانون الحزبي إلى أن الفئة النسوية الحيوية بالمجتمع المغربي، لا تتجاوز مدة احتلالها مراكز قيادية بضع سنوات داخل اللجان التنفيذية والمكاتب السياسية بكافة الأحزاب.

النخبة والتحولات

يقيم عبدالحكيم قرمان المشاركة النسوية في الحياة السياسية بالمغرب بأنها “مع الجو العام السائد حاليا لم تنجح الآليات والتدابير المتخذة لترقية مشاركة النساء في الحياة السياسية في إفراز حركة نسائية قوية ومؤثرة ومؤطرة فعليا للعمل السياسي، بل ظلت آلية التميز الإيجابي مثلا، وسيلة أخرى للترقي الاجتماعي لبعض النساء المحظوظات وليس بالضرورة للنساء المناضلات”.

بإقرار دستور 2011 تم إعطاء دفعة قوية لمختلف المجالات الحقوقية والمؤسسات السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها لتجاوز نقائص المشهد السياسي المغربي ولتجاوز ارتدادات ما سمي الربيع العربي، بحنكة واقتدار من طرف المؤسسة الملكية، ولترسم أفقا سياسيا متقدما للنموذج التنموي المغربي وللتجربة الديمقراطية المغربية المتفردة في محيطها الإقليمي والقاري.

ورغم ما حققه المغرب من مكتسبات سياسية في ظل السياسة الرشيدة للعاهل المغربي الملك محمد السادس، فإن الباحث المغربي عبدالحكيم قرمان يرصد واقع الحياة السياسية وما أفرزته أزمة النخبة السياسية من مؤشرات سلبية تتمثل فيما يلي: ضعف المشاركة السياسية للمواطنين عموما والشباب خصوصا، انهيار القيم والأخلاقيات المؤطرة للممارسة السياسية والحزبية، هيمنة القيادات التحكمية والسلطوية على قيادات الهيئات السياسية وبالتالي هيمنتها على مجمل دواليب القرار واللعبة السياسية، تدني الخطاب السياسي لدى الفاعلين الراجع إلى ضعف التربية والتنشئة السياسية السليمة للمناضلين داخل بنيات الاستقبال الحزبية والهيئات الموازية للأحزاب السياسية، واجتياح الانتهازية والوصولية والقرابة العائلية والقبلية لدواليب المؤسسات السياسية وبالتالي بروز نخب سياسية هشة وهجينة وغير مؤطرة ومؤثرة.

وهو ما يستوجب وفق نائب رئيس مركز الدراسات والأبحاث عزيز بلال “ضرورة انبلاج ربيع حزبي يسرع من وتيرة تفكيك البنيات السياسية المتكلسة ويعيد تشكيل مشهد سياسي جديد ومتجدد للنخب والأفكار والقيم”.

6