صناعة النشر في العالم العربي تعيش مخاضا عسيرا

في ظل تفشي جائحة كورونا ناشرون يطالبون بإنقاذ قطاعهم من الانهيار.
الخميس 2020/07/02
الوضع صعب على دور النشر

يبدو جليا أن صناعة النشر في الوطن العربي تعيش مخاضا عسيرا في ظل تفشي جائحة كورونا، بعد إلغاء عدد من معارض الكتب التي تشكل رافدا أساسيا لهذا القطاع وموردا لدور النشر لعرض آخر إصداراتها. وقد تفاقمت أزمة قطاع النشر ما دعا اتحاد الناشرين العرب إلى محاولة إيجاد حلول ملموسة وإلى التفكير بطرق جديدة لإنقاذ قطاع النشر.

القاهرة – منذ بداية شهر مارس الماضي، اتخذت الدول العربية تدابير صارمة لمكافحة تفشي فيروس كورونا منها منع التجمعات وإلغاء الأنشطة التي تحضرها أعداد كبيرة ومن بينها معارض الكتب حيث تم إلغاء أو تأجيل نحو 10 معارض كتاب إقليمية حتى الآن منها معرض البحرين ومعرض بغداد ومعرض الرياض ومعرض أبوظبي ومعرض تونس للكتاب، إلى جانب معارض الكتب الدولية والتي كانت متنفسا لترويج الكتاب العربي بالخارج وترجمته وتطوير صناعة النشر.

واعتبر عدد من الناشرين العرب أن أزمة النشر كانت موجودة قبل الوباء، لكنها تفاقمت بشكل كبير اليوم بفعل توقف المبيعات والطباعة والنشر وإلغاء جميع معارض الكتب التي تمثل منصة مهمة للناشر والقارئ في نفس الوقت.

الكتاب الورقي والإلكتروني

يقول سعيد عبده، رئيس اتحاد الناشرين المصريين، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، إن الكتاب العربي يعاني أزمة حادة بعد تأجيل عدد من معارض الكتب بسبب تفشي فايروس كورونا مما كان له تأثير كبير على معظم الناشرين في الوطن العربي، خاصة وأن خارطة المبيعات تعتمد على المعارض.

ويوضح عبده، أن كورونا تسبب في توقف حركة الطباعة والنشر والبيع والتسويق سواء بالنسبة إلى الأفراد أو هيئات النشر، مضيفا أن المؤشرات الحالية تنبئ بأن انتهاء الجائحة في القريب مجرد أضغاث أحلام.
ويتابع أن هذه الجائحة جاءت لتفاقم من حدة التحديات التي يعاني منها قطاع النشر في الوطن العربي خاصة منها سوء التوزيع وضعف القدرات التسويقية والمشاكل المرتبطة بالشحن والجمارك  إلى جانب استيراد الورق والمطابع من الخارج، وكلها صعوبات ستؤدي إلى انهيار القطاع ما لم تتدخل الحكومات لدعمه.

وحول مدى تأثر قطاع النشر في مصر بسبب هذا الوباء، يشير عبده إلى أن عددا لا يستهان به من المكتبات الخاصة أغلق أبوابه، كما توقفت عدة دور نشر كما هو حال العديد من الدور في العالم، مضيفا أن خسائر القطاع منذ مارس الماضي تاريخ بداية تفشي الوباء إلى غاية يونيو الجاري قدرت بنحو 20 مليون دولار.

وعن المبادرات التي أطلقها اتحاد الناشرين المصريين للتخفيف من وطأة الجائحة أثناء فترة الحجر الصحي، يذكّر عبده بمبادرة “خليك في البيت مع خير جليس” والتي تهدف إلى دعم الثقافة والقراءة وتشجيع الأسر المصرية على القراءة في المنازل.

وحول إمكانية أن يحل الكتاب الإلكتروني محل الكتاب الورقي، يقول عبده إن هناك اهتماما متزايدا بالكتاب الرقمي غير أن الكتاب الورقي له خصوصيته التي تميزه عن الكتاب الإلكتروني تتجسد في سهولة حمله من مكان إلى آخر وقراءته في أي مكان، وهو ما لا يوفره الكتاب الرقمي الذي يجعل القارئ مرتبطا بشاشة الكمبيوتر بشكل غير مريح.

تقول داليا إبراهيم، رئيسة مجلس إدارة مؤسسة دار النهضة للنشر في تصريح مماثل، إن كافة الصناعات تأثرت بأزمة فايروس كورونا بشكل كبير ومن ضمنها صناعة النشر، وبالطبع تأثرت الأنشطة التسويقية بشكل هائل حيث تم إلغاء كافة المعارض الدولية والمحلية وتم إغلاق كافة المكتبات ومنافذ البيع المختلفة لفترات طويلة مما أدى إلى تراجع مبيعات الكتب بشكل ملحوظ، مشيرة إلى أن الوضع صعب جدا على عدد كبير من دور النشر خاصة دور النشر الصغيرة.

أزمة النشر موجودة قبل الوباء لكنها تفاقمت بشكل كبير اليوم بفعل توقف المبيعات والطباعة والنشر وإلغاء المعارض

وتوضح إبراهيم أنه بالرغم من أن جائحة كورونا أثرت سلبا على المبيعات، إلا أن هناك عددا من طرق البيع الأخرى التي يمكن أن “ننتهجها لزيادة المبيعات والوصول إلى القارئ وذلك من خلال البيع الإلكتروني وهو ما قمنا به بالفعل في مؤسستنا، بعد إطلاق تطبيق ‘نهضة مصر‘ الذي يحتوي على كافة إصداراتنا من الكتب الثقافية وكتب الأطفال والتي نقوم ببيعها من خلال التطبيق لتصل إلى المستهلك دون عناء”.

وتضيف أن الأزمة أثرت أيضا على كثير من عادات القراء، فقد بدأ عدد كبير منهم يتجه إلى الكتب الإلكترونية والصوتية وهو اتجاه عالمي أخذ في النمو على مدار السنوات الماضية، ولكنه أخذ في الازدياد بمعدلات أكبر بعد جائحة كورونا.

وتتابع “النشر الرقمي من الصور الأكثر فعالية الآن ولكن لا أعتقد أنه سيحل أبدا مكان النشر الورقي، إذ مازالت الكتب المطبوعة لها محبوها وهم أعداد كبيرة على مستوى العالم”، مضيفة أن الكتب الإلكترونية ستزداد، والمبيعات على منصات إلكترونية مثل كيندل وغوغل بلاي سترتفع، ولكنها لن تحل محل الكتب المطبوعة تماما.

وتردف قائلة “بالفعل يوجد عدد لا بأس به من الكتب العربية على تلك التطبيقات العالمية إلا أنها تحتاج إلى المزيد من التسويق حيث أن عددا كبيرا من القراء ليسوا على علم بتوفر الكتب العربية على تلك المنصات العالمية، كما أن عدد دور النشر التي تقوم بتوفير الكتب من خلال هذه المواقع لا يزال قليلا بما لا يتناسب مع عدد دور النشر الفعلي في السوق”.

لذلك، تضيف داليا إبراهيم “نتوقع أن يستغرق الأمر بعض الوقت حتى يتشكل هذا الوعي لدى القراء بتوفر المحتوى وقيام دور النشر بالتوجه نحو توفير الكتب إلكترونيا مما قد يسهم في تخفيض نفقات الطباعة الورقية وتسويق الكتب بشكل عملي أكثر“.

وعن حجم الخسائر التي تكبدتها دور النشر العربية، بسبب إلغاء المعارض، تقول الناشرة المصرية إن المنصات الرقمية لن تستطيع تعويض حجم الخسائر، لذلك “علينا كناشرين دراسة الوضع الحالي ووضع خطط بديلة للمعارض وبحث إقامة معارض افتراضية وهو الشيء الذي بدأ بالفعل اتحاد الناشرين العرب مناقشته مع الأعضاء“.

وتعتبر أن الوقت قد حان لتتدخل الحكومات لمساعدة عدد كبير من دور النشر، لكن لا يمكن أن نغفل الأعباء المالية الكبيرة التي تتحملها الحكومات حاليا لدعم مختلف القطاعات المتضررة، خاصة قطاعي الصحة والتعليم، هذا بالإضافة إلى تحملها دعم العمالة المؤقتة المتضررة التي فقدت وظائفها بسبب جائحة كورونا مما يثقل ميزانيتها.

تخفيف الأزمة

اهتمام متزايد بالكتاب الالكتروني
اهتمام متزايد بالكتاب الالكتروني

أمام حدة الأزمة التي يعيشها قطاع صناعة النشر والكتاب العربي، بادر اتحاد الناشرين العرب إلى اتخاذ مجموعة من المبادرات التي تروم إنقاذ هذا القطاع من الانهيار.

وفي هذا الإطار، وجه اتحاد الناشرين العرب مؤخرا رسالة مفتوحة إلى قادة الدول العربية يناشد من خلالها الحكومات العربية تضمين قطاع صناعة النشر ضمن حزم الدعم المختلفة التي تم رصدها في دعم اقتصاديات الدول، مشيرا إلى أن هناك “شرائح مجتمعية واقتصادية كثيرة تتأثر بشكل مباشر بقطاع صناعة النشر ومنهم المؤلفون والمترجمون والباحثون وكذلك المصممون الفنيون والرسامون وقطاع المطابع بكافة أنواعها”.

وطرح اتحاد الناشرين بعض الحلول للمساهمة في تخفيف وطأة الأزمة منها “تخصيص مبالغ مالية لشراء الكتب من الناشرين من خلال وزارات التربية والتعليم لتعزيز المكتبات المدرسية وإلغاء الضرائب على قطاع النشر وتقديم حزم تحفيزية لقطاع النشر”.

15