صناعة الهواتف الذكية في أزمة وجودية بانتظار ابتكار ثوري جديد

جودة هواتف شركات الصدارة تقتل حاجة المستخدمين إلى شراء أجهزة جديدة في ظل متانة أجهزتهم القديمة واستمرار عملها وأدائها الجيد.
الأحد 2019/01/20
سوق متخمة بالخيارات المتقاربة

تزايدت المؤشرات على دخول صناعة الهواتف الذكية في أزمة وجودية في ظل تراجع المبيعات والتوقعات المتشائمة التي أطاحت بأسهم الكثير من كبار المصنعين. ويبدو أن القطاع ينتظر ثورة ابتكارات جديدة وقد يتلقى دعما كبيرا من الطرح المرتقب لشبكات وأجهزة الجيل الخامس للاتصالات.

لندن – تفاقمت أزمة صناعة الهواتف الذكية بوتيرة مخيفة منذ بداية أكتوبر الماضي لتضع عمالقة المصنعين في طريق مسدود مع تكاثر عدد الشركات الصاعدة التي أدت إلى تخمة الأسواق.

وأدت المنافسة الشرسة على كعكة الأسواق الكبيرة التي يصل حجمها إلى نحو 400 مليار دولار سنويا إلى ارتفاع جودة الأجهزة والتسابق للبحث عن مزايا إضافية حتى لو كانت فائضة عن حاجة معظم الزبائن.

وتشير البيانات إلى تراجع ميل المستخدمين لتحديث أجهزتهم في ظل متانة أجهزتهم القديمة واستمرار عملها وأدائها الجيد لجميع المهام الأساسية، خاصة في ظل عدم حدوث نقلات نوعية في وظائف الأجهزة الجديدة تقنعهم بضرورة شرائها.

ويرى محللون أن صناعة الهواتف الذكية وصلت سقفا يصعب اختراقه لإعادة المبيعات إلى النمو، إلا إذا دخلت ابتكارات نوعية كبيرة تخطف اهتمام قطاع واسع من المستخدمين وتجبرهم على شراء أجهزة جديدة.

ويبدو أن بعض الشركات وخاصة أبل الأميركية أصبحت ضحية متانة أجهزتها، حيث لا يجد مستخدمو أجهزتها التي يزيد عمرها على 4 سنوات أي حاجة ملحة لتغييرها واقتناء أحدث أجهزتها.

وقد أدى ذلك إلى تراجع مبيعات هواتف آيفون، الذي تعتمد عليه أبل في الحصول على الغالبية الساحقة من إيراداتها، خاصة بعد الفضيحة التي تفجرت قبل أكثر من عام، والتي كشفت عن قيامها عمدا بإبطاء الأجهزة القديمة واستنزاف بطارياتها بسرعة لدفع زبائنها لشراء أجهزة جديدة.

واضطرت الشركة بعد تلك الفضيحة إلى الاعتذار لتنظيف سمعتها ومعالجة الخلل لتسريع عمل الأجهزة القديمة وعرض تسهيلات لاستبدال البطاريات القديمة، الأمر الذي أبقى جانبا كبيرا من الزبائن مع هواتفهم القديمة ووجه ضربة شديدة إلى المبيعات.

كما ظهرت أجهزة جديدة رخيصة الثمن وتحتوي على مواصفات منافسة لأجهزة شركات الصدارة، من شركات صاعدة مثل هواوي وتشاومي الصينيتين وشركات أخرى مثل نوكيا الفنلندية.

وتبدو شركات الأجهزة الرخيصة أوفر حظا في دوام المبيعات من شركات الأجهزة المرتفعة الثمن لأن أجهزة الأولى تتقادم بسرعة ويضطر مستخدموها إلى شراء أجهزة جديدة، في حين تواصل أجهزة الفرق الآخر العمل بكفاءة لسنوات طويلة.

صناعة الهواتف الذكية وصلت سقفا يصعب اختراقه لإعادة المبيعات إلى النمو، إلا إذا دخلت ابتكارات نوعية كبيرة تخطف اهتمام قطاع واسع من المستخدمين وتجبرهم على شراء أجهزة جديدة.

ويرى خبراء أن جودة الهواتف الذكية التي أنتجت في السنوات الماضية تدعو المستخدم لعدم التخلي عن الجهاز الذي بين يديه لفترة طويلة، خاصة أن المواصفات الإضافية مثل التعرف على الوجوه تبدو فائضة عن حاجاته الأساسية.

وينطبق ذلك على الساعات الذكية التي لا يجد المستخدمون سببا لتحديثها كل عام، لتتسع دورة المبيعات إلى عدة سنوات، حتى لدى المشغوفين بأحدث الإضافات التكنولوجية. وتوزعت دورة شراء بعض المستهلكين بين الساعات والهواتف الذكية مثل شراء أحدهما كل عامين.

وحين يتخلى الزبائن عن أجهزتهم فإنها لا تذهب إلى حاويات التدوير بل يجدون من يرغب بها سواء من العائلة أو عبر بيعها لأشخاص آخرين، ما يزيد إشباع السوق وتراجع المبيعات.

وتبدو شركات الصدارة مثل أبل وسامسونغ وهواوي بحاجة ماسة إلى ابتكار تكنولوجي جديد خارج كل ما هو متاح حاليا، لكي يقلب طبيعة استخدام الهواتف الذكية ووظائفها من أجل تحريض الزبائن على إحالة أجهزتهم إلى التقاعد.

لكن الآفاق القاتمة قد لا تكون مغلقة وقد تحصل الشركات على دعم كبير من طرح شبكة الجيل الخامس للاتصالات خلال العامين المقبلين، والتي لن تكون متاحة للأجهزة الحالية، الأمر الذي يفرض على الكثير من المستخدمين شراء أجهزة جديدة.

ويتوقع أن يؤدي إطلاق شبكة الجيل الخامس لإدخال العالم في مرحلة تمهد الطريق لانتشار تطبيقات الثورة الصناعية الرابعة حيث تصل سعة نقل البيانات فيها إلى مئات المرات عن شبكات الجيل الرابع.

ولن تتوقف مزايا الجيل الخامس للاتصالات الجوالة عند حدود إنترنت الأشياء، بل يمكن للسيارات أن تتواصل مع بعضها البعض في الوقت الحقيقي. كما ستؤدي لتسريع عرض بيانات الواقع الافتراضي والواقع المعزز عبر الشبكات الجوالة.

وقد تسابقت شركات التكنولوجيا خلال مؤتمر الجوال العالمي في برشلونة الإسبانية وفي معرض الإلكترونيات الاستهلاكية في لاس فيغاس إلى عرض استعداداتها لإطلاق المعيار الجديد للاتصالات الجوالة.

وكانت كوريا الجنوبية قد سبقت جميع دول العالم إلى طرح الجيل الخامس في الشهر الماضي، ولكن على نطاق محدود. ومن المستبعد أن ينتشر استخدامه على نطاق واسع حتى العام المقبل على أقرب تقدير.

وتعتبر تقنية الجيل الخامس أكثر أهمية للكثير من أغراض الاستخدامات، حيث تعمل على تقصير مدة الإشارات في الشبكة بما يصل إلى 40 مرة مقارنة بتقنية الجيل الرابع، وهذا يعني تقصيرا جذريا لزمن الاستجابة.

ويبدو لأول وهلة أن نسبة كبيرة من المستخدمين ستتخلى عن الأجيال الحالية من الهواتف الذكية وتقبل على شراء هواتف الجيل الخامس للاستمتاع بالقفزة النوعية الكبيرة للمزايا التي تقدمها.

نيكي ريفيو الآسيوية:  أبل خفضت خطط الإنتاج لطرازات آيفون الجديدة بنحو 10 بالمئة للربع الأول من العام الحالي
نيكي ريفيو الآسيوية: أبل خفضت خطط الإنتاج لطرازات آيفون الجديدة بنحو 10 بالمئة للربع الأول من العام الحالي

لكن المشككين يقولون إن الشبكة لن تصل إلى جميع أنحاء العالم وأنها ستقتصر على الدول المتقدمة لسنوات طويلة. ويشيرون إلى أن خدمة الجيل الرابع لم تصل حتى الآن إلى الكثير من بلدان العالم.

ويستبعد سلافومير ستانتشاك، رئيس قسم الاتصالات اللاسلكية والشبكات في معهد فراونهوفر الألماني للاتصالات، إمكانية وصول تلك السرعات القصوى خلال وقت قريب. وقال إن “معدل نقل بيانات الأقصى سيتم بلوغه في النهاية، لكنه لن يتوفر في كل مكان ولجميع المستخدمين في المراحل الأولية”.

كما أن الاستخدام اليومي للكثيرين يقتصر على إجراء الاتصالات والرسائل النصية وبعض التطبيقات البسيطة التي لا تحتاج إلى السرعة الفائقة للجيل الخامس، الأمر الذي يحد من الإقبال على الهواتف الجديدة، التي ستكون مرتفعة الثمن في البداية.

وفي أفضل الأحوال سيعطي الجيل الخامس للاتصالات دعما كبيرا لسنوات قليلة لتعود الأزمة الحالية مرة أخرى بعد تشبع السوق بالأجهزة المتوافقة مع الجيل الخامس.

وتختزل خسائر شركة أبل عمق أزمة صناعة الهواتف الذكية، بعد أن فقدت أكثر من 400 مليار دولار من قيمتها السوقية لتنحدر قيمتها إلى أقل من 700 مليار دولار بعد أن حلقت إلى نحو 1.1 تريليون دولار في بداية أكتوبر الماضي.

وتفاقمت حالة التشاؤم في الأسبوع الماضي حين كشفت دورية نيكي ريفيو الآسيوية أن أبل خفضت الإنتاج المخطط لثلاثة طرز من هاتف آيفون بنحو 10 بالمئة للربع الأول من العام الحالي.

ويكشف خفض الشركة الكبير لتوقعات المبيعات عن ضعف الطلب على آيفون في الصين، أكبر سوق للهواتف الذكية في العالم، حيث يتأثر الاقتصاد المتباطئ بالحرب التجارية مع الولايات المتحدة وارتفاع أسعار الطرازات الجديدة.

وقالت نيكي ريفيو نقلا عن مصادر مطلعة إن أبل طلبت من مورديها أواخر الشهر الماضي إنتاج وحدات أقل من المخطط لهواتفها من طراز اكس.أس واكس.أس ماكس واكس.آر. ورجحت انخفاض إجمالي حجم الإنتاج المزمع لهواتف آيفون القديمة والحديثة إلى نطاق بين 40 إلى 43 مليون وحدة للفترة بين يناير الجاري ومارس المقبل من تقديرات سابقة تصل إلى 48 مليون وحدة.

ويبدو أن أبل أدركت مبكرا حجم أزمتها وخطورة الاعتماد الشديد على مبيعات آيفون وأنها بدأت بتوسيع مصادر الإيرادات لتفادي تفاقم الأزمة.

وأعلنت الأسبوع الماضي أن المتجر الإلكتروني “آب ستور” للتطبيقات وألعاب الكمبيوتر التابع لها نجح في تسجيل بداية قوية للغاية للعام الجديد حيث بلغت إيرادات المتجر خلال ليلة رأس السنة الجديدة 322 مليون دولار وهي أكبر إيرادات يومية في تاريخ المتجر.

وأوضحت أن مبيعات المتجر الرقمي خلال موسم عطلة أعياد الميلاد ورأس السنة أي على مدى أسبوع واحد بلغت أكثر من 1.22 مليار دولار، الأمر الذي يعطي بصيص أمل لمستقبل إيرادات الشركة.

وتحاول أبل زيادة عوائد الإعلانات وتنويع مصادر الإيرادات من خلال منتجات جديدة مثل تلفزيون أبل وإنتاج المحتوى، حيث تحاول منافسة شركات مثل نتفليكس وأمازون، إضافة إلى موقعها المتقدم في توزيع الموسيقى.

وكشف تيم كوك الرئيس التنفيذي لأبل في مقابلة مع قناة سي.أن.بي.سي عن عزم الشركة إطلاق خدمات جديدة خلال العام الحالي، وهو ما أشعل التكهنات بإطلاق خدمة تلفزيونية خلال النصف الأول من العام الحالي.

لكن التشاؤم لا يزال يحاصر عمالقة إنتاج الهواتف الذكية والشركات المرتبطة بتوريد المكونات مثل الرقائق الإلكترونية والمعالجات والشاشات، بل يمتد إلى جميع شركات التكنولوجيا بعد أن أيقظ أنواعا أخرى من المخاوف.

الجيل الخامس للاتصالات بسرعته الفلكية قد يجبر معظم المستخدمين على اقتناء أجهزة جديدة وينقذ مبيعات الشركات المنتجة لعدة سنوات
الجيل الخامس للاتصالات بسرعته الفلكية قد يجبر معظم المستخدمين على اقتناء أجهزة جديدة وينقذ مبيعات الشركات المنتجة لعدة سنوات

ويبدو أن شركات التكنولوجيا الفتية نسبيا تنتظرها ظروف مختلفة، بعد أن استمتعت بفترة طويلة من سهولة الاقتراض بأسعار فائدة منخفضة وعالم منفتح بلا قيود على العولمة.

كما أن نموها السريع باغت العالم ولم تكن القواعد التنظيمية قادرة على رصد جميع عوائدها خاصة من الإعلانات والتطبيقات، لإخضاعها للضرائب لكونها عابرة للحدود وتستخدم مقرات في ملاذات ضريبية.

ويستبعد بنك التسويات الدولية أن تنحسر موجة الهبوط الحاد لأسهم شركات التكنولوجيا خلال وقت قريب في وقت يحاول فيه المستثمرون التأقلم مع تنامي مخاطر حدوث تباطؤ اقتصادي عالمي.

وبلغت المخاوف ذروتها في الربع الأخير من العام الماضي بسبب تصاعد ضجيج الحرب التجارية وتشديد البنوك المركزية للسياسات النقدية وتسابقها لإنهاء برامج التيسير المالي، التي أغرقت الأسواق بالسيولة لنحو 10 سنوات.

وتتباين آراء الخبراء والمحللين في تبرير السقوط السريع لأسهم التكنولوجيا حين يدخلون في متاهة العوامل الآنية المحبطة في المناخ التجاري الدولي والتغييرات الجديدة في طبيعة اللوائح التنظيمية التي يمكن أن تنهي مرحلة ازدهار أسهم شركات التكنولوجيا.

وتشير التقديرات والبيانات إلى أن شركات مثل أبل وغوغل وفيسبوك تحقق عوائد بمليارات الدولارات في بعض الدول، لكنها لم تكن تدفع أي ضرائب تذكر بسبب وجود مقراتها في دول أخرى أو ملاذات ضريبية بعيدة عن تلك الأسواق.

ويبدو أن المخاوف المتعلقة بشركات التكنولوجيا تأخذ في الاعتبار انتباه الكثير من الدول لتلك الثغرات الضريبية وهي تحاول إغلاقها من خلال رصد الإيرادات التي تحققها تلك الشركات على أراضيها.

وفرض الاتحاد الأوروبي غرامات على الشركات بسبب تهربها من الضرائب أو حصولها على إعفاءات ضريبية تنتهك قواعد المنافسة العادلة وكان أبرزها مطالبة جمهورية أيرلندا باستعادة إعفاءات ضريبية قدمتها لشركة أبل بقيمة 14 مليار دولار.

وينهمك الاتحاد حاليا بوضع تشريعات لمطاردة شركات التكنولوجيا وإجبارها على دفع نسبة عادلة من الضرائب في البلدان التي تحقق إيراداتها فيها بعد أن أصبح مفهوم السيادة الوطنية رائجا مرة أخرى.

ويشير محللون إلى أن تلك العوامل مجتمعة تؤكد أن العصر الذهبي لشركات التكنولوجيا يقترب من نهايته بعد أن بدأت السلطات المحلية برصد إيراداتها التي كانت خفية لوقت طويل.

17