صناعة الوهم: ديكتاتور يوسف غوبلز

الأحد 2015/07/12

قد يُوفق الديكتاتور، قليلاً أو كثيراً، بإخضاع المكان لمشيئته ورؤاه. وقد ينجح حامل الصفة القبيحة تلك بطيّ صفحات لا تطوى عادة في كتاب الحياة العظيم. وقد يقود الديكتاتور (جماهيره) المثقلة بأنواع الهواجس والمخاوف المتوارثة إلى حيث يشاء.. إلى الوهم، إلى أسطورة بلا قوام أو مبررات واقعية تُسّوغها، إذ لا حياة ممكنة لديكتاتور دون صناعة مكثفة للوهم. دون أسطورة ما تلفه وتحيط بشخصه (الاستثنائي والمميز وغير المتوفر بكثرة) أولاً. ثم بمنجزه (العبقري القادم) تالياً، وهو منجز لا يجيء عادة ولا يُرى ولكنه يتحول إلى حجر الزاوية في إعلام صناعة الطاغية وتبرير حضوره الأرضي.

الديكتاتور بهذا المعنى هو الوهم، أو سليله على الأقل. هو ناتج أسطورة لم تكن. لم تُوجد من قبل ولا يمكن للمرء أن يعثر عليها في كتاب ما أو يلمس حضورها في الواقع، لأنها ليست هنا. ولأنها ليست هنا فلا بد من إنتاجها إذن. لا بد من حيلة يسحرون القوم بها ويفتكّون عبرها بطاقات التأمل والتفكير لديه، وهي الأدوات الأكثر خطورة بالنسبة إلى صناع الديكتاتور وهي المستهدفة عادة، فحين يفكر الآدمي ويتأمل سوف يعثر على الفارق الجليّ بين هالة الديكتاتور المقترحة وإنجازاته القادمة وبين الفراغ الرهيب في الواقع.

يدرك الجهاز الذي يعمل على إنتاج الديكتاتور وتعميده مخاطر تلك الصفات الإنسانية الطبيعية والمكتسبة، فيعمل بعنف على إنتاج أدوات تعطلها، تفتك بها وتحيلها من قوة قادرة على التأمل والتفكير إلى بقايا حطام قابع في اللاوعي الجمعي للجمهور، مجرد حطام يتلقى ما تعرضه عليه الأسطورة وما تحدده من مطارح عليه الذهاب إليها وحدها، دون مساءلة منطقها، دون الاشتباك التأملي والسجالي معها ودون السؤال البديهي عن صحة ما تقترح أو تقول. فالمطلوب من الجمهور، وفقط، هو أن يبتلع حبوب السحر التي تجيء بها أسطورة الديكتاتور. عليه أن يحس بالدهشة أمام ذلك المخلوق الذي وهبته الطبيعة أسرارها وقواها الخفية. عليه أن يُصفّق لكل ما يقوم به الطاغية، أن يغني ويرقص له.. أن يصير القطيع!

تخطيط: ساي سرحان

تقدم لنا الآليات الساحرة والأسطورية، المشار إلى بعضها أعلاه، التي اعتمدها وزير الدعاية النازي الشهير يوسف غوبلز (1887-1945)، على مدار السنوات التي رافق عبرها سيده وزعيمه أدولف هتلر (1889 -1945)، درساً بليغاً في كيفية الانتقال بالديكتاتور من مخلوق عادي بلحم ودم وسقطات وهفوات، وهي كثيرة في الحياة الشخصية لهتلر تحديداً، إلى كائن شبه خرافي ووحيد الصفات والمواهب والقدرات الخارقة على إنقاذ (العرق الآري) من كبواته وأزماته وإعادته إلى مراتبه الرفيعة التي عليه أن يتبوأ. حيث عليه من هناك أن يقود أوروبا، والعالم من خلفها كذلك.

هتلر، حسب غوبلز وجهاز الدعاية الكبير الذي أنتج وقاد، هو “ضرورة تاريخية لألمانيا”. وهو “المنقذ والمخلص”. وهو “زعمينا وقائدنا وحامل همومنا في قلبه ووجدانه”. هو “الشجاع بقلب أسد وعقل فيلسوف”.

سوف تفعل تلك اللغة، أسطورية الوقع، التي اعتمدها غوبلز فعلها الساحر في الجمهور الباحث عن حلول سريعة لمشاكل ألمانيا الاقتصادية والاجتماعية الصارخة آنذاك: هزيمة البلاد المدوية في الحرب العالمية الأولى وما خلّفته من جراح قومية، وهبوط الصناعة الألمانية وارتفاع أرقام البطالة، إلى جانب العديد من القضايا الأخرى التي (جاء أدولف هتلر ليقضي عليها جميعها بضربة واحدة).

فعلت آليات غوبلز فعلها العميق والبليغ عند قطاع ليس بالقليل من الشعب الألماني.. حوّلته إلى قطيع حالم بأفكار الزعيم وخطواته القادمة لا أكثر. كما تركت تلك الآليات أثرها البعيد في فنون صناعة الطغاة كونياً أيضاً.

هكذا نعثر على بصمات غوبلز العالية والمؤثرة في جميع وسائل الدعاية التي رافقت صعود طغاة ما بعد الحرب العالمية الثانية وإلى اليوم، من أميركا اللاتينية إلى آسيا، مروراً ببعض دول البلقان، ووصولا إلى عديد بلدان العالم العربي التي لا يزال بعضها رازحاً تحت حكم الديكتاتور الواحد الوحيد، سوريا مثلاً. أو تلك الدول التي تغرق الآن في مهمات إنتاج ديكتاتورها وتتويجه سيداً على البلاد والعباد، مصر كمثال ساطع وعنيف الآن.

حين يدقّق المرء جيداً، من باب ذكر الأمثلة لا أكثر، في السياق المسرحي الذي ظهر عبره عبدالفتاح السيسي ويستدعي الخطاب الإعلامي/الاجتماعي الذي رافق تحوله البرقي من عسكري بلا مواهب أو مآثر تذكر إلى منقذ ومخلّص وزعيم رؤيوي! فسوف يعثر حينها دون عناء كبير على آليات غوبلز ذاتها وأفكاره ذاتها ومفردات خطابه كذلك “السيسي هو الحل”، تردد وسائل إعلامه. وكان هتلر هو الحل أيضاً عند غوبلز. و”السيسي ضرورة تاريخية” وهو “المنقذ والمخلص” وهو “الذكر” حسب الثقافة الشرقية الذكورية التي غرف الإعلام المصري من بئرها وركّبها على هواه وأسبابه، حين أضاف إلى صفات الزعيم الجديد صفة لم تخطر على بال غوبلز، علاوة على أنها لا تنسجم مع ثقافته أصلاً، صفة الذكورة بمعناها الفحولي الصرف. وليس بذاك المعنى الذي ألصقه غوبلز بهتلر فحسب “الشجاع بقلب أسد..”. فالسيسي (الفحل الشرقي) هو محطم قلوب المصريات. هو المنشود في المخيال الأنثوي لحظة بحثه عن بطل.. عن ذكر تجتمع الصفات الأكثر حميمية وإثارة في شخصه ومحياه الوسيم!

الديكتاتور هو الحل، تلك هي الثيمة المركزية التي انشغل يوسف غوبلز بها وعمل على إيهام الجمهور باقتراحاتها: “لا بد من رجل قوي يقود ألمانيا”. بهذه الكلمات حرفياً صرخ غوبلز العام 1933 أمام حشد كبير في ميونيخ. و”نريد قبضة حديدية تقودنا” راح يكرر.. وكان له ما أراد فعلاً.

صعد هتلر إلى السلطة وسقطت ألمانيا في مخالب قوة فاشية أخذتها، والعالم معها، إلى دمار شامل ورهيب. ذاك الدمار الذي أنتجته الأطروحات الصارخة التي سيكتشف الألمان والعالم معهم هشاشتها، فراغ جوهرها وما ترمي إليه، حيث الديكتاتور، على العكس من آليات غوبلز، ليس هو الحل.. بل على العكس منه تماماً. ليس هو المنشود في السياق الطبيعي للحيوات والأمكنة.. بل هو المعطل الفعلي لذاك السياق.

الديكتاتور، ديكتاتور يوسف غوبلز المقترح، هو الشيطان حين يحكم. هو الكارثة التي لا بد وأن تتخلص الإنسانية من تمثيلاتها وتبعاتها وتجلياتها المرعبة.. لأنها عكسها، على النقيض منها، وليست خيارها العادي.

كاتب من فلسطين مقيم في فيينا

11