صناعة نشر مفكرة

الأحد 2016/07/17

أنهيت للتو مكالمة هاتفية مع أحد خبراء توزيع الكتب في العالم العربي، حَوَت المكالمة المطولة مجموعة من النصائح المبنية على خبرة عملية في التعامل مع أرفف المكتبات ومع المشتري العربي (قارئا كان أو غير قارئ)، رأيتها مهمة وجديرة بالعرض.

لا تعني أهمية هذه النصائح ضرورة اتّباعها أو تنفيذها حرفيًا، ولكنها تصلح مدخلًا لمناقشة قضية توزيع الكتب من زاوية هؤلاء الرجال الذين -ليس فقط يملكون إحصائيات المبيعات- بل يرون بأعينهم المشتري العربي وهو يقلب الكتب على الأرفف ليختار من بينها ما يثير بداخله الرغبة في القراءة أو الاقتناء أو الإهداء.

هؤلاء الموزعون هم أقدر الناس على معرفة ميول المشترين، ليس فقط من مجرد شراء كتاب بعينه والخروج به من المكتبة، إنما من نظرات العيون، من طريقة السؤال عن كتاب بعينه أو كاتب بذاته، أو مجرد الفضول في اقتناء كتاب أو عدة كتب تعالج مساحة معرفية محددة.

هؤلاء الناس -الموزعين أقصد- بنوك خبرة ومعرفة يجب استغلالها في قراءة مؤشرات عملية شراء الكتب، ومع الاهتمام والتطوير تمكن الإفادة منهم في توجيه سوق الكتب بشكل أو بآخر.

المهم ماذا قال لي الرجل؟

كان محور حديثنا بالأساس الاطمئنان على موقف روايتي من التوزيع، وإن كانت حصلت على تصريح الإدارة المعنية من عدمه، ولكن الرجل فاجأني بحديث من القلب، عذب وشيق وإن تضمن عددًا من المعلومات الصادمة بالنسبة إليّ.

أول معلومة كانت تتعلق بحجم الكتاب (الرواية تحديدًا)، فقد نصحني أن أراعي في المرة المقبلة زيادة عدد صفحات الرواية قدر الإمكان! وساق لذلك عدة مبرّرات، أولها أن البائع يفضل الكتاب الكبير لأنه يشغل -تقريبًا- مساحة الكتاب الصغير ولكنه يضمن للبائع نسبةَ ربح أكبر، وهو منطق معقول لم أراجعه فيه، ولكن غير المعقول الذي لم يقدم لي مبررًا منطقيًا له، سوى التأكيد على أن هذا هو الواقع، أن المشترين يُقبلون على الكتب ذوات الأحجام الكبيرة بنسبة تفوق كثيرًا إقبالهم على الكتب الصغيرة، خاصة أولئك الذين يعرف من نظراتهم وطريقة تجوّلهم في المكتبة أنهم لا يقصدون كتابًا بعينه ولكنهم قرروا الخروج بكتاب أو عدة كتب، وقتها يقع تفضيلهم أول ما يقع على الكتب الكبيرة. وهي ملاحظة تحتاج في رأيي إلى اهتمام ومحاولة تفسير.

كان الرجل لطيفًا إلى حد كبير، وأظنه استشعر الحرج وهو يوصيني بزيادة صفحات الرواية المقبلة، دعاه لطفه هذا إلى التأكيد على أنه يعرف أن الطول والقصر مسألة يحكمها الإبداع ورؤية المؤلف، ولكن “أكيد هناك طريقة” كما قال، مضيفًا بمحبة “احنا بنتمسح فيكم يا كتّاب، ما بنصدق نلاقي حدا منكم نحكي معه”.

كان الرجل حريصًا على التعريف بنفسه باعتباره “مجرد بائع كتب”، ليس من باب التواضع -بالتأكيد- فهو فخور بمهنته، وإنما من باب التذكير بأن ما يعرفه هو لا يعرفه غيره، إنه تأكيد على زاوية النظر الحساسة التي يرى منها المشهد، وهو مُحقّ في ذلك.

واحدة من المعلومات الهامة الأخرى التي تضمنتها المحادثة قدرة الرجل على تقديم تصنيف دقيق للمشترين حسب العمر والجنس والجنسية وعلاقة ذلك بنوعية الروايات التي يقبلون عليها وخصائص كل فئة من فئات الكتابة، وهي معلومات جديرة بأن ينتبه إليه أحد على افتراض أن لدينا صناعة نشر عربية لها أصحاب يهتمون.

وإن لم يكن فإنها فرصة لتوجيه الدعوة إلى من يهمه الأمر للاستماع إلى كل أصحاب الخبرة في هذا المجال بداية من البائعين في المكتبات مرورًا بالموزعين وصولًا إلى الناشرين، وبلا شك لا ننسى المؤلفين والمبدعين، ربما نصل إلى “صناعة نشر مُفَكّرة” قادرة على اتخاذ قرارات مدروسة.

شاعر من مصر مقيم في الإمارات

15