"صناع الأمل" مبادرة إماراتية لتكريم جنود العمل الإنساني

محبو الخير والأعمال الإنسانية يعملون في الخفاء لمساعدة من تقطعت بهم السبل لسبب أو لآخر، ينطلقون بإمكانياتهم الذاتية المحدودة لينقذوا من تيتموا أو غرقوا في البحر أو يعيشون في أهوال الحرب أو هربوا منها، وهي أعمال تجعل من يقوم بها يستمتع بمعنى الوجود. إمارة دبي تكرم جنود الخفاء اعترافا بجهدهم وعنائهم من أجل الآخرين فتمنح لهم جائزة قيمة تمكنهم من مواصلة أعمالهم الإنسانية.
الخميس 2017/06/08
اعتراف بالجميل

دبي - في قاعة “مدينة دبي للاستوديوهات” بإمارة دبي، تجمع الآلاف من محبي الخير والأعمال الإنسانية بالوطن العربي، ليشهدوا تتويج الفائز بلقب “صانع الأمل”.

و”صناع الأمل” مبادرة إماراتية لكافة أبناء العرب في كل مكان بالعالم، لتكريم من يمدون يد الخير، ومن يطلقون حملات ومبادرات إنسانية فاعلة، تصنع فارقا في حياة الناس بعيدا عن الحكومات.

ونشر نائب رئيس الإمارات، وحاكم دبي الشيخ محمد بن راشد في فبراير الماضي تغريدة على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، طلب عبرها مكافأة صانع أمل يعمل في وظيفة إنسانية بمليون درهم، ولاقت التغريدة اهتماما كبيرا في العالم العربي، واعتبرها الكثيرون أغلى وظيفة عربية.

وتفاعل مع التغريدة أكثر من 65 ألف شخص، من 22 دولة بمختلف قارات العالم، بينهم الآلاف من الأشخاص الذين ينظمون مبادرات إنسانية ضخمة، ومبادرات غير مسبوقة لمساعدة الضعفاء والمحتاجين والمعاقين واللاجئين في الوطن العربي.

ونشر منظمو المبادرة، قصصا لهؤلاء المبادرين، عبر الصحف الإماراتية المحلية، وعبر منصات التواصل الاجتماعي التي يتابعها الملايين حول العالم، كما تم نشر قصص لهم وصورهم عبر الموقع الإلكتروني للمبادرة.

وبعد أسابيع من إطلاق “صناع الأمل”، دعا المنظمون مجموعة من الذين تقدموا للمبادرة إلى الحضور بدبي، وأمام حشد من الجمهور تم التصويت على اختيار الفائز باللقب، والحصول على المليون درهم (272 ألف دولار).

وعلى مسرح “مدينة دبي للاستوديوهات”، ظهر خمسة أشخاص من أصحاب المبادرات الإنسانية في سوريا وإيطاليا ومصر واليمن والعراق، وتحدثوا عن تفاصيل أعمالهم الخيرية.

وعرضت اللجنة المنظمة لـ”صناع الأمل”، مشاهد من الخدمات الإنسانية التي يقدمها أصحاب تلك المبادرات، وأثارت تلك المشاهد مشاعر الحضور، وأبكتهم لما فيها من لحظات قاسية، وصور لجهود خيرية غير مسبوقة.

وعلى مسرح الحفل، اصطف الفائزون الخمسة، العراقي هشام الذهبي، والمصرية ماما ماجي، والمغربية نوال الصوفي، والكويتية معالي العسعوسي، والسوري رائد الصالح، وتحدثوا عن تجاربهم.

المغربية نوال الصوفي، فازت باللقب بتصويت الجمهور، لجهودها في إنقاذ أكثر من 200 ألف لاجئ سوري، تعرضوا للغرق في عرض البحر الأبيض المتوسط أثناء توجههم إلى إيطاليا، حيث تقيم نوال.

وتحمل نوال في يدها هاتفا قديما، نشرت رقمه على مواقع التواصل الاجتماعي، وتستقبل من خلاله اتصالات اللاجئين، أثناء رحلتهم في البحر، وفور تلقيها أي نداء استغاثة، تسرع على الفور لإبلاغ السلطات الإيطالية، وتحدد موقعهم في عرض البحر، عبر إحداثيات الأقمار الصناعية، ليتم إنقاذ قواربهم التي تحمل المئات من النساء والأطفال والشباب والمسنين.

25 ألف شخص من العالم تفاعلوا مع المبادرة، الآلاف منهم ينظمون أعمالا إنسانية ضخمة

قالت نوال، إنها لم تتخيل أن مهمتها الإنسانية في إنقاذ الأسر السورية اللاجئة التي تتعرض يوميا للغرق في البحر، ستكون سبيلها للوصول إلى منصات التكريم، وأنه كان يكفيها إحساسها بالرضا وراحة البال عندما تشعر أنها كانت مصدرا للسعادة والأمل وطوق النجاة لطفل كاد أن يفقد حياته في حضن والدته بين أمواج البحر.

وعن مبلغ المليون درهم الذي حصلت عليه، قالت إنها سوف تخصص جزءا منه لعلاج الجرحى والمرضى من اللاجئين الذين وصولوا إلى شواطئ إيطاليا، وجزءا آخر لتأمين الأساسيات التي يحتاجها اللاجئون عند وصولهم سالمين عبر قوارب الموت، كتوفير ملابس جديدة وأغطية وهواتف للتواصل مع ذويهم.

ومن المكرمين في الحفل، كان “أبوالمشردين” العراقي هشام الذهبي، الذي احتضن في بيته المئات من أطفال الشوارع المشردين في العراق، وقدم لهم الرعاية المادية والمعنوية والنفسية، ليصبح بمثابة الأب.

ويقول الذهبي بدأت رحلتي منذ 13 عاما، عندما آويت في بيتي مجموعة من أطفال الشوارع بالعراق، متبنيا ثلاثة منهم ومنحهم اسمي واسم عائلتي، ما جعل أسرتي تثور وتقاطعني لمدة ثلاثة أشهر، ولكن لشعوري بالمسؤولية لم أكترث وتابعت طريقي لأثبت أن هؤلاء الأطفال ضحايا وليسوا جناة، ويمتلكون طاقات إبداعية، قد تحولهم إلى فنانين ومبدعين ومتفوقين.

وبعد رحلة طويلة من التحديات والرفض المجتمعي، تمكنت من تأسيس “بيت الإبداع العراقي”، الذي كفل المئات من المشردين، ونجح في تخريج أكثر من 150 طفلا مبدعا وفنانا، حاز معظمهم جوائز عراقية وعالمية.

يقول الذهبي “أتعهد أن يكون لقب صانع الأمل بالنسبة إليّ، نقطة انطلاق جديدة في مسيرتي الإنسانية، لتأسيس أكبر مركز في العراق لإيواء فتيات الشوارع اللائي أجبرتهن الظروف على النوم على الأرصفة، وبمجرد حصولي على المكافأة سأشتري أرضا لأشيد عليها بيتا آخر للأطفال الأيتام والمشردين وسوف أخصص جزءا منه ليكون بيتا للمسنين في بغداد”.

وكانت الفائزة الثالثة بالجائزة، هي المصرية ماما ماجي، أو كما يطلق عليها البعض “القديسة ماجي”، وهي قبطية ترشحت لجائزة نوبل أربع مرات، وعبرت عن سعادتها بوصولها إلى منصة تتويج صناع الأمل.

وقالت، “يكفيني أن يشار إليّ كصانعة أمل حقيقية، ونجحت في أن أحدث نقلة في حياة من هم أحوج إلى الأمل، وساهمت ولو بجزء في حفظ الكرامة البشرية للأطفال والشباب الفقراء، وتوفير فرص التعليم والتدريب لهم، بالإضافة إلى تمكني من مساعدة أسرهم لتحسين وضعهم المعيشي، كي ينالوا أقل متطلبات الحياة”.

لقد بدأت حكايتها عندما زارت “حي الزبالين” بالقاهرة، فهالها ما رأت من بؤس يعيشه الناس هناك، فتخلت عن حياتها المترفة، كونها ابنة أحد الأثرياء المصريين، وتركت وظيفتها كأستاذة في الجامعة الأميركية، وكرست حياتها لخدمة الفقراء والمعدمين، فتبنت أطفال الشوارع، وقدمت لهم الرعاية والتعليم دون تمييز، لافتة إلى أنها تمكنت من تأسيس 92 مركزا يوفر الرعاية والتعليم لأكثر من 18 ألف طفل، والعلاج لأكثر من 40 ألف حالة مرضية سنويا.

أما الفائزة الرابعة، فهي الكويتية معالي العسعوسي، التي تركت حياتها في الكويت، وقررت أن تقيم بشكل دائم في اليمن، لمساعدة الفقراء والضعفاء والمحتاجين.

تقول، “لم أتخيل أن زيارتي إلى اليمن ستقلب حياتي كليا، حيث وجدت في مساعدتي للفئات المنكوبة رسالة سامية، فودعت حياتي السابقة المليئة بالترف، لأدخل معترك العمل الإنساني من أوسع أبوابه، واتخذت من اليمن بكل ما تعانيه من فقر ومرض مستقرا لي”.

"صناع الأمل" مبادرة إماراتية لكافة أبناء العرب في كل مكان بالعالم، لتكريم من يطلقون حملات ومبادرات إنسانية تصنع فارقا في حياة الناس بعيدا عن الحكومات

وتواصل “اشترطت على زوجي أن يكون مهري هو تطوعه معي لمعاونة المنكوبين والمحتاجين في اليمن، وأن تكون مساعدة المرضى وإيواء المشردين، طريقنا في الحياة”.

وتابعت “كلما تمر السنوات، أشعر بأن ضميري راض عن اختياري لهذا الدرب، وأفخر بأن مسيرتي في عالم الخير نجحت في تنفيذ 15 مشروعا، استفاد منه أكثر من 45 ألف شخص، وتنظيم 30 حملة إغاثية لأكثر من 250 ألف شخص، ووفرت 600 منحة دراسية، ومكنت أكثر من ألف أسرة من وسائل لمواجهة الفقر والجوع”.

وكشفت أنها تعتزم تأسيس مركز لتدريب وتأهيل قيادات شابة في مجال الخدمة المجتمعية والعمل الخيري في منطقة الشرق الأوسط، سيكون مقره اليمن وسيتم تأسيسه بعد هدوء الأوضاع.

أما الفائز الخامس بلقب “صانع الأمل” فهو السوري رائد الصالح، قائد فريق “الخوذ البيضاء”، الذي يعمل ضمن فريق كبير من الذين ينقذون ضحايا التفجيرات في سوريا.

وأهدى الصالح الفوز إلى “191 شهيدا فقدهم فريقه خلال رحلتهم الإنسانية”.

ويقول “فريق الدفاع المدني السوري، مشروع جمع أبطال الخير والإنسانية منذ أربعة أعوام، وهو منظمة تطوعية حيادية غير منحازة، تركز نشاطها في البداية بمنطقة حلب وريفها، قبل أن يمتد ليشمل مختلف مناطق الصراع في سوريا، وكان عددنا لا يتجاوز 25 ناشطا، ثم بلغ عددنا اليوم أكثر من ثلاثة آلاف متطوع”.

ويضيف صالح، “ ترك الجميع مهنهم التي عرفوها قبل الحرب، كمعلمين ومهندسين وخبازين وخياطين وكهربائيين وغيرهم، لتصبح مهنتهم المشتركة إنقاذ الحياة بأي ثمن، حتى وإن دفعوا حياتهم ثمنا في سبيل ذلك”.

يقول صالح “في كل يوم نودع أسرنا خوفا من ألا نراهم ثانية، ولكن ما يهون الأمر علينا، عندما نجد أنفسنا وقد استطعنا إنقاذ 94 ألف شخص من أطفال وشيوخ ونساء”.

20