صناع الدراما يتقنون لعبة الرقابة تاركين الصحافة تبحث عن مخرج

مشاهدة عدد من الأعمال الدرامية تطرح أسئلة ملحة بشأن مساحة الحرية، ففي الوقت الذي تتطرق فيه إلى قضايا حساسة وشائكة تنجح في الإفلات من مقص الرقيب.
الأربعاء 2018/06/13
صناع الدراما يمسكون بالخيوط التي تعكس الواقع

  تربّت الأجيال العربية على أن الصحافة تمتلك مساحة واسعة من الحرية تفوق نظيرتها في الأعمال الدرامية، لكنها أصيبت بصدمة لما تراه حاليا. هناك عدد كبير من المسلسلات تطرق إلى قضايا تدخل في باب المسكوت عنه في الصحافة، طوعا وكرها.

تمتلك الصحافة قوتها من قدرتها على ملامسة أوجاع الناس واقترابها مما يفكرون فيه ومحاولة تقديم تفسيرات واجتهادات تعكس نبض الشارع، غير أنها في الآونة الأخيرة تكاد تكون هذه الخصال قد تلاشت من أقلام قطاع كبير من الكتاب في مصر، آثروا السلامة وخضعوا لعمليات مصادرة للرأي، بصورة مباشرة وغير مباشرة. ولم ينتبهوا إلى الفنون التي درج عليها شيوخ المهنة للفكاك من الرغبة في الاستحواذ والسيطرة من قبل جهات رسمية.

وانتبه الشباب مبكرا لما يحدث من تضييق، فولجوا منصات التواصل الاجتماعي بأنواعها، التي لم تعد الآن بعيدة عن الرقابة وسن القوانين المقيدة. أما جيل الوسط والكبار، فمنهم من انزوى احتراما لنفسه، ومنهم من تكيّف مع الأوضاع وتعامل مع متطلباتها بخنوع ورضوخ كاملين وتجنبوا نقد ما يمكن وصفه بـ”المحرمات السيادية”، أي رئيس الجمهورية والمؤسسة العسكرية ووزارة الداخلية، وثمة فئة قليلة تحاول الكتابة بحذر وتمشي فوق الأشواك لتجنب ما ترى أنه فخاخ.

في المقابل، تمتعت الدراما بنسبة لافتة من الحرية، وتطرقت إلى ملفات وقضايا متنوعة، لم تستطع الصحافة ملامستها بحنكة طوال الفترة الماضية، الأمر الذي يثير مجموعة كبيرة من التساؤلات حول من الذي يحدد سقف الحرية؟ وهل هناك جهات ترسم خارطة الممنوع والمسموح؟ ولماذا يبدو مسمى الحرية مطاطا، حيث يتم استيعاب قضايا مثيرة في هذه الوسيلة، وتلفظ في وسيلة أخرى؟

وتطرح مشاهدة عدد من الأعمال الدرامية المعروضة على شاشات عربية أسئلة عميقة ودقيقة وملحة بشأن مساحة الحرية، وتجعل من التفكير في البحث عن إجابة شافية لما يبدو تناقضا في المشهد المصري العام عملية ضرورية، قد تفيد في فهم ما يمكن وصفه بـ”الخلل” في المنظومة الإعلامية.

عندما كنت مسؤولا عن صفحات الرأي بجريدة الأهرام الرسمية لنحو ست سنوات، تعرضت لمواقف كثيرة، جميعها تصبّ في أنني أتلقى تعليمات يوميا لنشر هذا المقال وحجب آخر. أحد الزملاء قالها صراحة “أكيد تتلقى تعليمات من خمسة لواءات من جهات مختلفة، تقول لك انشر هذا وامنع ذاك”.

الهامش الكبير للحرية في الأعمال الدرامية يمكن الحصول عليه في الصحافة، طالما أن هنالك مسؤولية ومهنية

لم تكن العبارة مفاجئة بالنسبة لي فقد اعتدت على سماعها من زملاء بطرق متباينة. المفاجأة في اليقين بوجود جهات رسمية تتابع بدقة وتفرض رقابة صارمة وتلقي تعليمات بحسم.

الحقيقة، لم أواجه الحالة التي تحدث عنها زميلنا على مدار سنوات عملي مشرفا على صفحات الرأي بجريدة الأهرام العريقة، وكان يتم نشر مقالات نقدية حادة، وصلت إلى حد التطرق إلى تصرفات وقضايا تمس مسؤولين في أماكن كثيرة مهمة، ولم يتم لفت نظري تقريبا. وكان رفض أي مقال يخضع غالبا لتقديرات سياسية شخصية، تختلف من صحافي لآخر.

تشخص الحكاية السابقة الحالة في مصر. فما يبدو من هامش كبير للحرية في الأعمال الدرامية يمكن أن نحصل على مثله وزيادة في الصحافة، طالما أن هنالك مسؤولية وعدم إسراف في النقد بما لا يحوّله إلى “قدح وذم وشتيمة” ومراعاة للمرحلة السياسية وأولوياتها، التي قد تفرض تحديد خطوط حمراء في قضايا معينة، يستلزم تناولها بطريقة معينة لدواع وطنية. فلا توجد حرية مطلقة في أي مجتمع مهما بلغت درجة تطوره ديمقراطيا.

ويمكن تلخيص نتائج التجربة في أننا كصحافيين نلعب دورا مهما في زيادة وتقليص مساحة الحرية، وفقا للمروحة الثقافية لكل مسؤول. كلما ارتفعت اتسع معها هامش الحرية، والعكس صحيح. وغالبية العاملين في مجال الإعلام بمصر يؤثرون السلامة خوفا من الوقوع في الخطأ، بالتالي يبتعدون عن تناول أي قضايا شائكة تضعهم محل مساءلة مشكوك فيها.

كان رؤساء تحرير صحف رسمية في مصر، يتلقون توجيهات بشأن بعض القضايا المثيرة للجدل، تقول بمراعاة تناولها في إطار منضبط ودون “تهييج”، حرصا على العلاقات مع دولة شقيقة، أو رغبة في تهدئة الرأي العام.

هؤلاء تراهم يتجنبون الحديث عنها أصلا، بالسلب أو الإيجاب، خوفا من الوقوع في خطأ قد يقضي على مستقبلهم الوظيفي. ويتطوّع البعض منهم بالرجوع إلى جهات رسمية لتحديد مدى مواءمة نشر مادة معينة دون أن يطلب منهم ذلك، وبسبب الخوف من عدم القدرة على تحديد الفواصل السياسية، يؤثرون السلامة ويرجعون لمن يعتقدون أن بيدهم الحل والعقد.

والغريب أنهم يتلقون إجابات مختلفة، كل جهة لها تقدير قد يصل إلى حد التناقض. لا يعني ذلك ارتباكا فقط في اتخاذ القرار، لكن عدم وجود رؤية محددة لما هو مقبول أو مرفوض.

وتكشف المسألة برمتها إلى أي درجة تتم المبالغة أحيانا في الاهتمام بدور الرقابة، التي لا أنكرها بالطبع، لكن ليست بالحجم والحسم الذي يتصوره الكثيرون. الإجابات المختلفة يمكن توظيفها بصورة جيدة لصالح المهنة وليس لصالح الإضرار بها.

هذا ما فعله بعض صناع الدراما في مصر، فقد استطاعوا الإمساك بالكثير من الخيوط التي تعكس الواقع بكل ما يحمله من حسنات وسيئات. جاملوا السلطة الحاكمة وأشادوا بدور الأمن في مواجهة الإرهاب. لم يتورعوا عن الوقوف عند فساد عدد من المسؤولين وما يقومون به من تخريب، بشكل قد يكون من الصعوبة التطرق إليه في الصحافة، مع أن الدراما والصحافة يتم إنتاج محتوى كل منهما في دولة واحدة وتحت إمرة حكومة واحدة.

ويقدم نجاح هؤلاء وفشل أولئك، دليلا جديدا على أن هناك مساحة رمادية يمكن الاستفادة منها بطريقة إيجابية، لأن سياسة المنع والحجب من المنبع مشكوك في دقتها.

نعم تقنيات الدراما لها طقوسها المختلفة عن الصحافة، لذلك فالحديث منصب على طبيعة المضمون الذي لا يختلف من وسيلة لأخرى، لكنه ظهر في الدراما رحبا، وبه طاقة تستوعب مساحة كبيرة من الحرية، لو استغلها أهل الصحافة لمنعوا حدوث المزيد من التدهور، بل يمكن أن يعيدوا استرداد جزء معتبر مما فقدوه طوال السنوات الماضية.

18