صندوق الزكاة واجهة دينية للتغطية على حيل "النهضة" لبناء دولة موازية

مخاوف في تونس من انتشار صناديق مالية وجمعيات خيرية تتحرك بعيدا عن الرقابة.
الثلاثاء 2020/05/19
مساع لترسيخ مبادئ الإخوان

تونس – عاد الجدل بقوة في تونس بشأن صندوق الزكاة الذي تم رفضه في البرلمان كمبادرة من حركة النهضة وائتلاف الكرامة، لكن النهضة عادت لتلتف على القرار من خلال فكرة الصناديق الخاصة بكل منطقة، وهو ما بدأه أحد رؤساء البلديات التابعة لها في إحدى ضواحي العاصمة بالإعلان عن إنشاء صندوق مفتوح للتبرعات، الأمر الذي قوبل بردة فعل قوية من المجتمع المدني والمعارضة السياسية.

محمد كريم كريفة: القرار تقويض لمدنية الدولة تحت غطاء إسلامي
محمد كريم كريفة: القرار تقويض لمدنية الدولة تحت غطاء إسلامي

ويقول المعارضون لمشروع صندوق الزكاة إن الأمر لا يتعلق بخلاف على البعد الديني، ولكن الهدف هو منع النهضة من بناء كيانات موازية تستطيع من خلالها في المستقبل أن تنافس الدولة وتلتف عليها، خاصة أنها تعمل على إضفاء شرعية قانونية على هذه الكيانات مثلما هو الأمر مع الجمعيات الخيرية التي تستثمر أموالا طائلة في أنشطتها دون أي رقابة.

وكان فتحي العيوني رئيس بلدية الكرم بالعاصمة تونس قد أعلن عن إنشاء صندوق زكاة خاص بالبلدية التي يرأسها، وأن ردود الأفعال لا تعنيه، مشددا على أنه تمّ اتخاذ القرار انطلاقا من أسانيد قانونية ودستورية.

ويرى المعارضون لصندوق الزكاة، أن العيوني، وهو محام، يعمل على الاستفادة من الحيل القانونية لتمرير هذا المشروع وتمكين النهضة من باب جديد لتكديس الأموال بهدف توظيفها في الاستقطاب الشعبي والالتفاف على تراجع شعبية الحركة بسبب فشلها في إدارة البلاد خلال تسع سنوات من الحكم سواء بشكل مباشر أو عن طريق شركاء تتحكم فيهم لخدمة أجنداتها.

واعتبر وزير المالية السابق حسين الديماسي أنّ هذا الصندوق “محاولة من حركة النهضة لإحداث دولة موازية”، مشيرا إلى أن الهدف من هذه المبادرات سياسي و”أن الصندوق المقترح ليس له جدوى اقتصادية”.

وأضاف الديماسي في تصريح لوسائل إعلام محلية أن “صندوق الزكاة خطوة تتعارض مع أسس الدولة المدنية التي من المفترض أن تكون لها ميزانية محددة وموحّدة تتحكم فيها الدولة بشكل كلي وتحدّد أطرها ومواردها”.

وطالبت النهضة، في سياق استثمار البعد الديني لتحقيق أهداف سياسية، بإقرار صندوق للزكاة وإعادة إحياء نظام الأوقاف واستعادة جامع الزيتونة للحُبس (الأوقاف) التي كانت محسوبة عليه، وهي البنية التي فككتها الدولة الوطنية في انطلاقها مع الرئيس المؤسس الحبيب بورقيبة، مثلها مثل العروشية (الاعتماد على العشائر) والمناطقية.

وسبق أن فشلت كتلة حركة النهضة في إقناع البرلمان التونسي باستحداث صندوق للزكاة. وعارض المقترح 93 نائبا بينما امتنع 17 نائبا عن التصويت.

وقال النائب عن كتلة الحزب الدستوري الحر محمد كريم كريفة إن هدف دعوة “الإخوان وتوابعهم لهذا الصندوق (…) ضرب وتقويض مدنية الدولة تحت غطاء إسلامي”.

وأضاف كريفة في تصريح لـ”العرب” “أن فتحي العيوني، مرشح حركة الإخوان، أصبح في تحد كامل لقرارات الدولة المدنية بانتصاره لهذه الأفكار”.

المرصد الوطني للدفاع عن مدنية الدولة يرى أن ربط مفهوم الزكاة بالشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية هو محاولة لتمرير أيديولوجيا سياسية

وأثار قرار العيوني إنشاء صندوق للزكاة دون التزام بالموقف الرسمي للدولة والبرلمان ردود فعل كثيرة شملت شخصيات سياسية وحقوقية ومنظمات تعنى بشؤون حقوق الإنسان والدفاع عن مدنية الدولة طالبت كلها بوقف عمل هذا الصندوق ومنع أي محاولات لإضعاف الدولة وسحب صلاحياتها لفائدة مجموعات أو كيانات موازية.

وكان المرصد الوطني للدفاع عن مدنية الدولة، قد طالب الجهات السياسية العليا في البلاد بالتدخل العاجل لمنع التوظيف السياسي للدين، معتبرا أن “هذه التجاوزات الخطيرة تُمثّل تمرّدا على مؤسسات الدولة وعلى دستورها ومدنيّتها”.

وأشار، في بيان له، إلى أن ربط مفهوم الزكاة بالشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية هو محاولة لتمرير أيديولوجيا سياسية، ذلك أن مساهمة المواطنين في التنمية وفي حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية تمرّ عبر الضرائب المختلفة، أي عبر المؤسسات الرسمية للدولة التي هي وحدها المسؤولة عن تلبية الاستحقاقات الاجتماعية للمواطنين، وليس عبر صناديق مشبوهة يُراد بها الشروع في تعويض البنك المركزي ووزارة الماليّة لترك الماليّة العموميّة بين أيدي طرف سياسي دون غيره”.

1