صندوق السرد

السبت 2016/04/09

في مراحل مبكرة لا بد من المرور على “ألف ليلة وليلة” كأحد طقوس القراءة الأولى وأحد مكونات الذائقة القرائية التي تسبق كل القراءات المعتادة، كونه أحد مفاتيح السرد المتداخل والمشوق الذي يضفي متعة خارقة وينشّط خيال القراءة الى أبعد حد ممكن.

ومع أن التبكير في قراءة نص فيه من التداخل والتعاقب والتناسل السردي المتكرر يصعب هضمه في مراحل القراءة الأولى، إلا أن له فاعلية مخفية في تشغيل الحواس وإنشاء ذاكرة موازية لذاكرة أي قراءة أخرى ولأي كتاب، فألف ليلة وليلة صندوق سردي متعدد الأبواب والنوافذ في متوالياته الهندسية اللولبية، وشهرزاد التي سحرت طفولتنا بقدرتها على تمثل التضحية وتجاوزها في العشرات والمئات من الحكايات المتداخلة والمتناسلة كحكّاءة للسرد والنص بعمومه هي امرأة الشجاعة المستحيلة من جهة، كما هي امرأة السرد الناظمة له بطريقة جديدة باهرة كانت هي سحر القراءة ومرتكزها الأخير، في حين غاب شهريار كونه الصامت المخفي في النص الطويل ولم يكن ظهوره سوى ديكور خارجي بعد استحواذ شهرزاد على زمام السرد الى النهاية.

في تلك القراءة المبكرة كان الخيال يستجيب لعجائبية الحكايات ويخزن قصصا مثيرة لا تزال عالقة في ذاكرة الطفولة كون ألف ليلة وليلة هو الكتاب الأكثر شعبية لما يحتويه من عناصر الشد والجذب والتوتر والمفاجآت وكل عناصر الحكاية الشعبية المطلوبة وأسطوريتها وخرافتها ودلالاتها المتنوعة، كما في حكايات التاجر والعفريت والحمّال مع البنات والعاشق والمعشوق وحلاق بغداد وسندباد البصرة وعلاء أبوالشامات وقمر الزمان وهارون الرشيد وزبيدة والجواري والإماء وزمرد والخاتون والكثير من حكايات السفر والبحار والشعراء الصعاليك والجن والشياطين والأمراء والملوك والفقراء والمتسولين والتجار والعشاق والنوادر والفكاهات والأرواح الشريرة والخيال الجامح والشخصيات الحقيقية أو المتخيلة التي تحضر بكامل أسطوريتها المسرودة بحنكة امرأة كانت تسرد والسيف على رقبتها.

تعلمنا من ألف ليلة وليلة كيف تكون القصة الإطارية ذات بنيات سردية متعددة ومتفرعة ونوافذ قصصية ممتعة وباهرة، وكيف يمكن أن تشكّل بالنتيجة وحدة سردية متكاملة ذات أبعاد فنية مُحكَمة بأبعادها الأخلاقية والحِكَمية والأسطورية ومن ثم العجائبية الخارقة.

الراوي المجهول عموما لهذه السيرة العباسية هو رواة متعددون، ومع أن الناظمة البارزة شهرزاد والحكّاءة الوحيدة في هذا النص الخارق تبدأ عادة بـ(يُحكى أنّ..) بإشارة الى مجهولية الراوي وإحالته الى الماضي، إلا أنها استحوذت على النص من أوله إلى آخره، وهو ما كان يشدّنا إلى نهايات دائما نتوقعها لكنها لا تنتهي في دوران سردي لولبي غاية في الدقة والمتعة والتشويق والإتقان.

إذا قراءة البدايات استوفت إلى حد جيد معنى أن يكون السرد توليدياً وأن يلد من ذاته سرداً آخر وهذا يلد سرداً جديداً في صندوق ألف – ليلاتي معقد الحكي والصور والولادات والدلالات، وهو ما أثار الكثير من كتّاب الغرب في وقت مبكر من ترجمته عبر (غالان) وفتح شهية السرود الغربية قبل العربية نقدا وبحثا وإبداعا، شعرا وسردا ومسرحا.

هذا الكتاب العظيم الذي صمد قرونا طويلة ليس عابرا في الذاكرة العربية ولا العالمية بل إنه أحد قواميس الإبداع المختلف، لما فيه من جرأة مبكرة على كسر قوانين الكتابة ورتابتها بذخيرته السردية التي ضمها صندوق العجائب الألف – ليلاتي في حكايات فيها من كل نوع سرد ومن كل زاوية سرد ومن كل سرد سرد.

كاتب من العراق

15