"صندوق الطيور".. النظر ممنوع في كارثة تجتاح العالم

المخرجة سوزان بيير تضع مشاهدي فيلما الجديد في مواجهة نوع مختلف كليا من كائنات الزومبي.
الاثنين 2019/01/07
لا تنظر كي لا تموت

لا شك أن نهاية العالم وتفشي الأوبئة أو الدمار الذي تخلفه الحروب، هي من الموضوعات السائدة في سينما الخيال العلمي لدى معالجتها ما بعد الانهيار العظيم، وهو في الواقع إشباع لثيمة الفئة الناجية أو التي تقاوم الفناء، أو الهلاك وهي ثيمة تتكرر لنعيش معها أجواء المغامرة والمفاجآت غير المتوقعة، فضلا عن انقسام الناجين إلى فريقين أحدهما الأخيار في مقابل الأشرار.

قدمت السينما العالمية في أكثر من فيلم يعالج ثيمة الانهيار العظيم، شخصيات الزومبي التي تكون قد أصيبت بالوباء المترتب على خراب العالم، وقد شهدنا مثل تلك القصص في العديد من أفلام الخيال العلمي حتى صارت شخصية الزومبي المسعور والمتعطش للدماء علامة فارقة في مثل هذه النوعية من الأفلام.

ونستحضر هنا أفلاما من هذا النوع، نذكر منها فيلم “ليلة الموتى الأحياء” (إنتاج 1968)، وفيلم “يوم الموتى” (1985)، وفيلم “رجل المقبرة” (1994)، وفيلم “فجر الموت” (2004)، وكل من فيلمي “بعد أسابيع” و”كوكب الرعب” (2007)، وأيضا “أرض الزومبي” و”ثلج ميت” (2009)، وأفلام أخرى كثيرة.

وفي الفيلم الجديد “صندوق الطيور” للمخرجة الحاصلة على الأوسكار والغزيرة الإنتاج سوزان بيير، سوف نكون في مواجهة نوع مختلف كليا من كائنات الزومبي، بل إنها تبدو وكأن وجودها عرضي في وسط الأزمة.والحاصل أن وباء يفتك بروسيا تنقله وسائل الإعلام وشاشات الفضائيات، يجعل البشر يمارسون أفعال الزومبي ثم يقدمون على الانتحار بأي طريقة، وفيما الجمهور يتفرج، إذ بالوباء يفتك بالناس في أماكن أخرى ومنها الولايات المتحدة.

ما بين ماض قريب تعيش فيه مالوري (الممثلة ساندرا بولوك) محنة موت شقيقتها بعد إصابتها بالوباء وبين كونها على وشك الولادة، سوف ننتقل معها زمنيا وسط عاصفة متلاحقة من الأحداث.

وبعد أن شهدنا في قصة فيلم “الصمت” الذي تعرضنا له من قبل في هذه الصفحة، أن الكارثة تتعلق بالسمع وأن كل من ينطق كلمة سوف يموت فورا بسبب حساسية كائنات وحشية غزت الأرض للأصوات، فإننا أمام استخدام النظر في هذا الفيلم، فكل من يبصر سوف يصاب بالوباء.

وقد غطت الشخصيات أعينها تماما وامتنعت عن رؤية الخارج من أجل النجاة، كلها تتجمع في منزل دوغلاس (الممثل جان مالكوفيتش) وخلال ذلك سوف ننتقل بين أزمنة متعددة، بل إن الحل الإخراجي السائد في هذا الفيلم هو التنقل بين الأزمنة من خلال مشاهد فلاش باك.

تكرار مشاهد التنقل بين الحاضر والماضي يعد علامة سائدة وأحيانا يبعث على الملل كمعالجة إخراجية وتركيب سردي، لكننا في هذا الفيلم لن نشعر بتلك الرتابة، بل إن المخرجة وظفت جماليات الانتقال بين الأزمنة والأماكن على نحو متقن ومصنوع بعناية.

ويختصر الفيلم مكابدات شخصية درامية رئيسية هي مالوري التي تتحمل مسؤولية طفلين صغيرين تسعى لإنقاذهما من الوباء، بما في ذلك عثورها على مسار عبر موج متلاطم حيث تجد في آخر المنحدرات المائية الخطيرة مكانا للنجاة.

الهلع الذي يضرب مالوري يتكرر مرارا وهي تنقذ الطفلين، فيما نشهد صراعات جانبية في المكان الذي يحتجز فيه الجميع، بما في ذلك السجالات في ما بينهم وإدخال شخص يدّعي باكيا أنه ضحية الزومبي، فيما سنكتشف لاحقا أنه مصاب بالوباء فيجهز على دوغلاس وعلى الفتاة التي آوته.

تتعدد خطوط السرد في هذه الدراما المتصاعدة، حيث الأحداث مأخوذة من رواية حملت نفس العنوان للكاتب جوش ميلرمان، إذ ترتبط مالوري بإنسان ودود هو جندي سابق في العراق، وهو توم (الممثل تريفانت روديس) الذي يرعى مالوري وطفليها، علما أن الولادة تتم بمعجزة في أثناء احتجاز الجميع في منزل دوغلاس.

مقتل دوغلاس ومن ثم توم لا يبقي للشخصيات الرئيسية من تأثير يذكر، ما عدا مالوري التي تمضي في رحلتها إلى النهاية.

وحفل الفيلم بتحولات زمانية ومكانية فرضتها المعالجة السينمائية التي اعتمدتها المخرجة في التنقل بين أزمنة وأماكن من الماضي والحاضر، وهي معالجة كانت دافعا لغزارة تعبيرية وتنوع جمالي في الأماكن، وخاصة مشاهد هرب مالوري والطفلين ثم إبحارها معهما.

وبسبب أجواء الرعب المسيطرة والخوف من الوباء، فقد احتشد الفيلم بالصراعات الدامية والعنف، فضلا عن التخلي عن إظهار كائنات الزومبي بشكل جماعي وهي تنتحر أو تنهش في الناس، وكان البديل هو أصداء ما يجري في وسط الناجين من الوباء والذين ينتظرون مصيرهم.

تقديم الأماكن الخارجية كالغابات والبحر والأنهار والمرتفعات، فضلا عن أماكن الاحتجاز والشوارع باتت كلها ميدانا للأحداث الدامية بما انطوت عليه من تنوع، علاوة على استخدام وسيلتي المونتاج والتصوير للإحاطة بجماليات المكان.

ولا شك أن براعة أداء أغلب الممثلين وفي مقدمتهم ساندرا بولوك وجان مالكوفيتش وتريفانت روديس وعدد آخر من الممثلين منح الفيلم جمالية خاصة، إذ أقنعنا بسير الأحدث وبقوة البناء الدرامي للشخصيات، وهو عنصر شكل علامة فارقة في السرد.

ويعد الفيلم إضافة جديدة هي الأحدث في مسيرة المخرجة الدنماركية سوزان بيير الحافلة بالإنجازات والجوائز العالمية امتدت منذ مطلع التسعينات إلى يومنا هذا، وتوجت بجائزة الأوسكار.

16