صندوق العيَّاط

الأربعاء 2013/09/18

مسيرات واعتصامات وإرهاب، هذا جزء من المشهد المصري منذ عزل مرسي يقابله في المشهد الخليجي عويل تحريضي إخواني لا أساس له. ولعلي اقتبس ما جاء في وثيقة لحزب النور لوصف لذلك المشهد: «إن الناصح في معظم الأحيان لا يُعلم عنه اشتغال بالسياسة في بلده، ومن كان مشتغلاً بها في بلده لا يعرف تفاصيل الواقع المصري، فتجد أن حاصل نصيحته هي تقليد لاجتهاد الإخوان، بل تقليد لاجتهاد مجموعة معينة من قيادات الإخوان».

من الواضح أن هذه الفقرة تستهدف تلك الأصوات الخليجية التي تتحدث عن ديمقراطية لا تملكها ولا تعرفها، ففاقد الشيء لا يعطيه. المُلاحظ أن جميع ما يتم ترديده لا يخرج عن ثلاثة احتمالات: إما أن يكون صدى للحكومة الانتقالية، أو تكراراً لمزاعم إخوانية، أو رأياً مبنياً على معلومات تراكمية عما يدور في الساحة السياسية بشكل عام والمصرية بشكل خاص. هذا عدا بعض الأصوات المأجورة أو تلك التي تدافع عن أمن وطنها القومي بتأييد فريق ضد آخر أو التي تروج لمفهوم الخلافة فتصور العياط بصورة النبي يوسف عليه السلام، رغم أنه محكوم هارب، أو بذي النورين رضي الله عنه، مع أنه أخذ بعدم التنازل وخالفه في أنه لم يأخذ بالحوار ودعا للدفاع عن تصلبه. ومنهم من تساءل عما استطاع أن يفعله النبي في المائة يوم الأولى. هذه مغالطات لا مقارنات.

نعم، هناك ممارسات مثالية أظهرها مرسي كسكنه في شقته بالتجمع الخامس، وعدم إرسال أخته للعلاج خارج مصر وتبرعه براتبه، لكن الأمور ليست دائماً كظاهرها فمعارضيه أشاروا إلى أن لها أسبابها، كدعم التنظيم الدولي له بمئات الملايين يجعل التبرع بالراتب عمل دعائي غير مكلف، وكذلك عدم وجود علاج لحالة أخته فلا فرق في بقائها أو سفرها للعلاج واستغلال ذلك كبعد دعائي يؤسس لمرحلة لاحقة. قد تكون مبررات غير مقنعة وقد لا يمكن تأكيد أو نفي صحة تلك الممارسات، إلا أن هذا شأن يخصه وليس له تأثير على مسيرته ذات العام الواحد.

حينما يتم تناول موضوع عزل مرسي العياط فهو عادة ما يتم من زاويتين: دينية ودنيوية. أما الزاوية الدينية فلها أهلها وهم الأقدر والأكفأ للحديث عنها والبحث فيها من كل الزوايا الدينية شريطة توفر الحياد والمعرفة بالحال. المسلم البسيط غير العالم بالشريعة وأحكامها يعلم أن حكم المتغلب أقرب للإتباع خاصة في حالة كمصر، التي تدرّج فيها الغالب بالتحذير تلو التحذير حتى قرر الانحياز إلى رغبة الحشود وعزل الرئيس وتعيين غيره حسب مقتضيات نظام الدولة لا حسب رغبة المتغلب. ثم حصل له على بيعة الأزهر والكنيسة وغالبية الشعب. وقد اعتبرنا هذا بيعة تجاوزاً طالما أن هناك من اعتبر تصويت نصف المنتخبين وموافقة الأزهر والكنيسة والشعب بيعة، فهذه بتلك.

ولأن الواجب هو افتراض البراءة في المسلم، فإن ميلَ المعارض لعزل مرسي إلى رأي الأزهر وحزب النور السلفي في وقوفهم مع السلطة الحالية أسلمُ بوصفهما الأقربُ والأكثر معرفة بالخفايا والأكثر حرصاً على درء المفاسد من غيرهم، فأهل «مصر» أدرى بشعابها خاصةً وأنهما لم ينحازا انحيازا كاملا إلا بعد أن قضي الأمر أو كاد أن يقضى.

ما نراه من دعاة الفتنة السائرين في الفلك التركي القطري الإخواني هو أنهم يتكئون على ما أفرزته الصناديق الانتخابية ويتغافلون عن حقيقة أن الديمقراطية لا تعتمد فقط على نتائج صناديق الاقتراع، ومن قال بذلك فقد أفتى بغير علم، بل تعتمد على حزمة من القيم والمبادئ تكمل إحداهما الأخرى. إضافة إلى أنهم يتغافلون عن حقيقة أن الصندوق الذي أتى بالسابقين لمرسي هو الذي أتى به. ولا يمكن قبول مزاعمهم بالتزوير في انتخابات رئيس ما مع عدم وجود ما يثبت، وعدم قبولها في انتخابات مرسي مع وجود ما يثبت.

أما القول بأن نسبة التصويت العالية للرؤساء السابقين دليل للتزوير، فالمعلوم أن الناخبين في الأنظمة الشمولية ليس لهم إلا عدم المشاركة أو التصويت بـ»نعم» مما تنتفي معه الحاجة للتزوير، لذا فنسبة النتائج- أيا كانت- تعتمد على عدد الناخبين الفعليين وليس على عدد من لهم حق التصويت.

ثم كيف يمكن اعتبار تنحي مبارك نتيجة لرغبة شعبية انحاز لها الجيش ثورة وليس انقلابا، بينما نعتبر ما حدث لمرسي انقلاباً ونتناسى خروج أعداد أضخم من تلك التي خرجت ضد مبارك وأضعاف الناخبين الذي أدلوا بأصواتهم ثم نستغل انحياز الجيش للحشود لِنصف العزل بالانقلاب مع وجود سابقة لهذا الانحياز. وكيف يمكن نفي وجود مؤيدين لمبارك اكتفوا بإعلان أسفهم لما حدث، بينما نركز على وجود مؤيدين لمرسي لأنهم رفعوا أصواتهم واختاروا العنف طريقاً.

أمام ذلك لا يصح الانسياق خلف الأصوات المرتفعة التي تزعم نزاهة الانتخابات، خاصة وقد علمنا من المشير طنطاوي أنه سلَّم الإخوانَ لمصر لا مصر للإخوان، وذلك بعد أن اطلع على أدلة التزوير والتلاعب وبعد التهديد بحرق مصر إن كانت النتيجة في غير صالحهم. وقد رأيناهم يهددون بذلك مرة أخرى من منصة رابعة ورأينا التنفيذ على الواقع بل الدخول إلى ساحة العمل الإرهابي المنظم واستدعاء تاريخهم الملطخ بالدماء للحضور مرة أخرى إلى المشهد السياسي.

والمفترض فينا نحن البعيدون عن الواقع المصري توصيف الحدث كما هو مع مراعاة الظروف المحيطة عند تناوله، وأن ننظر له بعيون المصريين لا بعيوننا فإن لم نفعل فقد نصل إلى شقاق فكري، خاصة لو أننا أخذنا ما يروجه التنظيم الدولي على أنه حقيقة لا تقبل النقاش، فقط لأن الدعاية الممنهجة قدمت لنا صورة مثالية للحكم الإخواني في مصر تماهت مع الحلم الشعبي الإسلامي بالخلافة.

ولقيت هذه الصورة دعماً من دعاة لا هم لهم إلا التحريض على الفوضى تحت شعار السلمية، حتى أصبحنا نرى الأسلحة والدماء والحرائق والتفجيرات. وما زال دعاة الفتنة يصرون على سلميتها في ممارسة لأكبر عملية تضليل في التاريخ يقوم بها التنظيم الدولي وأعضاؤه تحت حجة صندوق العياط.

هذه الحجة تسقط أمام حقيقة أن عزل الرؤساء المنتخبين أمر طبيعي في العمل الديمقراطي وإن اختلفت آلياته، فهناك عدد كبير من الرؤساء تم عزلهم بعد انتخابهم ومنهم ثلاثة رؤساء أميركيين هم جونسون لأسباب سياسية ونيكسون لفضيحة واترغيت وكلينتون لإعاقته للعدالة. والمخالفات التي ارتكبها مرسي تكفي لعزله فرادى فكيف بها مجتمعات.

حجم مصر وموقعها الهام للعالم العربي وللخليج بصفة خاصة، يدعونا لدعم خيار الشعب المصري ونوع حكومته التي يرتضيها، لا تلك التي يريدها ممارسو «الهِياط والعِياط» على صندوق العَيَّاط.


كاتب سعودي

9