صندوق المعونات يمهد طريق الوصول إلى صندوق الاقتراع

الأحد 2015/05/10
الأحزاب الليبرالية الثرية والأيديولوجيات الدينية تستغل حاجة الفقراء لتحقيق مكاسب سياسية

القاهرة – في الوقت الذي تكافح فيه الحكومة المصرية، لاتخاذ إجراءات ضبط الأسعار في الأسواق، سعى حزب النور السلفي لضخ كميات كبيرة من السلع والخضراوات بأسعار أقلّ من مثيلاتها في الأسواق، عبر منافذ بيع تحمل لافتات الحزب، لاستغلالها في حشد أصوات المواطنين في الانتخابات النيابية، المقرر إجراؤها قبل نهاية العام الجاري، في مسلك يعيد إلى الأذهان أساليب جماعة الإخوان الانتخابية.

وكان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وجه خالد حنفي وزير التموين إلى ضرورة الإسراع باتخاذ إجراءات للسيطرة على الأسعار في الأسواق، لتخفيف معاناة المواطنين، والحيلولة دون ارتفاعها المتوقع مع حلول شهر رمضان الكريم، الأمر الذي يعكس إيمان مؤسسة الرئاسة بخطورة التأثيرات السلبية لارتفاع الأسعار في الشارع المصري، وتبعاته السياسية، إلا أن إجراءات وزارة التموين لم تنجح في خفض الأسعار .

وأدكّد مراقبون لـ”العرب” أن إخفاق الحكومة في ضبط الأسعار، يضر بعدالة المنافسة مع اقتراب الانتخابات البرلمانية، حيث تستغل الأحزاب الليبرالية الثرية، وأصحاب الأيديولوجيات الدينية الفرصة لتوظيف حاجة الفقراء، بتقديم خدماتها في شكل سلع غذائية، تتحول في الصناديق إلى أصوات انتخابية، في وقت ينبغي فيه، تحمل الحكومة لمسؤولياتها، ليكون التنافس بين الأحزاب قائما على أساس البرامج السياسية.

ويعد حزب “المصريون الأحرار” الليبرالي، الذي يضم أكبر نسبة من السياسيين المصريين الأثرياء، وحزب “النور” السلفي، الذي يضم أكبر نسبة من أصحاب المرجعية الدينية، الأكثر سيرا على خطى الإخوان في استقطاب أصوات الفقراء، عبر تقديم معونات مادية، في شكل سلع مجانية أو منخفضة الأسعار.

وقام حزب “المصريون الأحرار” في عيد الأضحى الماضي بتوزيع أطنان من اللحوم المعبأة في أكياس، تحمل اسم وشعار الحزب على المواطنين، في عدد من القرى والنجوع في محافظات مختلفة، كما أقام منافد لبيع اللحوم بأسعار مخفضة على مدار العام .

أما حزب النور السلفي، فاعتاد جلب أطنان الخضر من المزارع رأسا إلى المستهلك، بأسعار تصل إلى نصف الأسعار المتداولة في السوق، إلى جانب تنظيم معارض لبيع الزيوت والبقوليات واللحوم بأسعار تفضيلية. كذلك يستغل حزبا “النور” و”المصريون الأحرار” المناسبات الدينية، لتقديم معونات اجتماعية للفقراء، متفوقين بذلك على بقية الأحزاب المنافسة التي تعاني عجزا في قدراتها المالية، الأمر الذي دفع عددا منها إلى دعوة الحكومة لإجراء الانتخابات قبل شهر رمضان، خشية استغلاله انتخابيا من قبل تيارات سياسية.

حزبا النور السلفي والمصريون الأحرار الليبرالي يستغلان الغلاء لاستقطاب أصوات الفقراء

وكان المهندس إبراهيم محلب، رئيس الحكومة، صرح مؤخرا أن الانتخابات البرلمانية سيتم إجراؤها قبل شهر رمضان، إلا أن تأخر صدور تعديلات قانون تقسيم الدوائر الانتخابية، الذي أبطلت المحكمة الدستورية بعض مواده، حال دون تحقيق وعده، ليصرح الرئيس السيسي بعد ذلك بأن الانتخابات ستجرى قبل نهاية العام.

هل ما يمارسه حزبا “المصريون الأحرار” و “النور” تحديدا يعد عملا خدميا ومشروعا أم تكتيكا انتخابيا لاستغلال الأزمات المعيشية؟

صبرة القاسمي الباحث في شؤون الإسلام السياسي، أجاب “العرب” قائلا: إن السلفيين وحزب “المصريون الأحرار” يستغلان ارتفاع الأسعار لتحقيق مكاسب سياسية، وإحراج الحكومة الحالية، وهو عمل سياسي مشروع، لأن الأحزاب ينبغي أن تتنافس على خدمة المواطنين، لكن ذلك لا يلغي مهمتها الأساسية في تقديم خطط عامة لإصلاح الاقتصاد.

أما عن مصادر تمويل الحزبين الليبرالي والسلفي، لتغطية فارق أسعار السلع التي يقدمانها للجماهير، فأوضح القاسمي أن “المصريون الأحرار” يحصل على شحنات عجول بأسعار مخفضة يستوردها من السودان وتذبح في مجازر بمصر، بالتالي لا ينتج عن بيعها بأسعار مخفضة أيّ خسائر، كونها سلعا تستورد بأسعار أقل كثيرا من مثيلاتها في السوق المصري، وكذلك حزب “النور” يقوم بشراء إنتاج مزارع خضر من المزارعين، ويجمعها عبر شبابه، ثم تنقل عبر شاحنات مملوكة لأعضاء من الحزب، أي أنها تأتي من المنتج مباشرة، فتصل للمستهلك بأسعار مخفضة، ويحقق الحزب مكسبا بما يحصده من رواج جماهيري.

لكن القاسمي حذر الحكومة، من مواصلة التباطؤ في ضبط الأسعار، حيث تؤدي موجة الغلاء إلى سخط الرأي العام، وهو المناخ المناسب لجماعة الإخوان وحلفائها ممن يعتزمون خوض الانتخابات بشكل خفي لتأليب الرأي العام ضد الحكومة.

الغريب أن مبادرة “تحطيم الأسعار” بعيدة تماما عن الأحزاب اليسارية التي تستمد شرعيتها السياسية من انحيازها للفقراء والمهمشين، هذا التقصير كما يراه حسين عبدالرازق عضو المكتب السياسي لحزب التجمع (أقدم الأحزاب اليسارية) يعود إلى أن قيادات الأحزاب الأخرى تفتقد مبادرات التواصل الجماهيري، بما في ذلك قيادات التجمع، مؤكدا أن “أيّ عمل سياسي يستهدف تخفيف العبء عن كاهل المواطن، وتخفيض أسعار السلع، عمل يستحق الإشادة “.

وأضاف عبدالرازق، في تصريحات خاصة لـ”العرب”، أن افتقار عدد من الأحزاب لمصادر التمويل، ومنها التجمع، ليس مبررا لافتقاد القيادات لروح المبادرة، فما يفعله حزبا “النور” و”المصريون الأحرار”، يحقق لهم أرباحا مالية، غير أنه يضر أيضا بالعملية السياسية، فالمفاضلة بين الأحزاب في الأوساط الشعبية، ستكون على أساس ما تقدمه من سلع غذائية، وليس بناء من خطط وبرامج سياسية. وقال “على الدولة العودة إلى الاستثمار، والتحكم في الأسعار، فانسحابها من السوق، واعتماد سياسات رأسمالية، أفقدها السيطرة على الأسعار”.

6