صندوق النقد أكثر مرونة في التعامل مع أزمات الشرق الأوسط الاقتصادية

أكد خبراء اقتصاد أن القرض الكبير الذي وافق صندوق النقد الدولي على تقديمه لمصر مؤخرا، يعكس بوضوح حجم ومخاطر دوره في الشرق الأوسط، لا سيما بعد انتفاضات الربيع العربي في عدد من الدول العربية التي اتجه اقتصادها إلى الانهيار.
الثلاثاء 2016/11/15
حلول مسكنة لأزمة مستمرة

القاهرة – يسلط اقتراض مصر 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي الضوء على مدى انخراط الصندوق مجددا في الشرق الأوسط ومخاطر نشوء ردود فعل عنيفة تجاه الحكومات التي تنفذ إصلاحات مؤلمة في مقابل المساعدات.

فمنذ أواخر الثمانينات من القرن الماضي وحتى العام 2011، وصم الصندوق في المنطقة بأنه عميل للشركات الغربية الكبرى التي تضغط على الدول لتبني سياسات تقشفية تفقّر شعوبها بينما يستفيد منها المصرفيون الأجانب.

وبعد أن أطلقت إجراءات خفض الإنفاق التي تمت بإيعاز من صندوق النقد أعمال شغب في الجزائر والأردن والسودان، تجنبت العديد من الحكومات التعاون مع الصندوق.

وقارن وزير مصري واحد على الأقل بشكل خاص الصندوق بالإمبرياليين البريطانيين الذين استولوا على قناة السويس.

ويبدو أن ترويج صندوق النقد لصورة جديدة له أكثر مرونة جزء أساسي من جهوده لدعم العديد من اقتصاديات الشرق الأوسط بما في ذلك مصر وتقديمه مليارات الدولارات لدعم العراق والأردن والمغرب وتونس وتوفير المشورة للجزائر بشأن إصلاحات.

محسن خان: عودة صندوق النقد إلى منطقة الشرق الأوسط أمر شائك

وللمرة الأولى يقدم الصندوق المشورة التفصيلية على نطاق واسع لمصدري النفط الأغنياء في الخليج مثل الإمارات والكويت في قضايا مثل فرض ضريبة القيمة المضافة لدعم الإيرادات غير النفطية.

وهذا خبر جديد للمستثمرين المترددين في وضع أموالهم بالمنطقة دون خاتم الموافقة من صندوق النقد الدولي، لكن هذا يعرض الصندوق والحكومات الشريكة للغضب الشعبي إذا ما فشلوا في حل المشكلات الاقتصادية عميقة الجذور.

وقال محسن خان، الذي ترأس إدارة الشرق الأوسط بالصندوق منذ 2004 وحتى 2008، إن “العودة إلى المنطقة أمر شائك لأنه في حين يملك الصندوق المعرفة بشأن كيفية إصلاح مالية الدولة والعجز الخارجي، فإنه شأنه شأن الاقتصاديين بشكل عام أقل خبرة في التقليل من عدم المساواة وخلق الملايين من فرص العمل”.

وأكد خان، الذي يشغل حاليا منصب كبير الباحثين في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط في مجلس الأطلسي بواشنطن، أن الحكومات تنفذ إصلاحات اقتصادية صعبة وإذا لم تنجح بعد بضع سنوات في تحسين مستويات المعيشة، فإن الشعب سيوجه أصابع الاتهام إليها.

ويعزى التوجه صوب صندوق النقد بشكل جزئي إلى الضغوط الاقتصادية، حيث خفضت اضطرابات 2011 في دول عربية الاستثمارات في الدول الأشد فقرا في الوقت الذي ضغط فيه هبوط أسعار النفط على صادرات دول الخليج من الطاقة.

وكانت الدول الأشد فقرا، في الماضي، تفضل القروض والمساعدات وتحويلات العاملين المهاجرين إلى الخليج الذي ربط مساعداته بشروط سياسية على أموال صندوق النقد الدولي الذي يطلب إصلاحات اقتصادية صعبة.

ومع تضرر الموارد المالية لدول الخليج بسبب النفط الرخيص بات هذا النموذج غير قابل للاستمرار، لكن الصندوق نفسه تغير أيضا.

وقالت بسمة المومني، الباحثة في مركز الحوكمة الدولية والابتكار في كندا والتي تؤلف كتابا عن الصندوق، إنه “بات أقل إصرارا على مبادئ أساسية مثل تحرير أسعار الصرف وصار أكثر تركيزا على خفض الفقر والحد من عدم المساواة”.

وعلى سبيل المثال حررت القاهرة سعر صرف عملتها ورفعت أسعار الوقود، وهي سياسات تقليدية لصندوق النقد، لكن للحد من متاعب المواطنين الأشد فقرا تخطط مصر بموافقة ضمنية من صندوق النقد لتعزيز الإنفاق على خطة لدعم المستهلكين وإبقاء أسعار الخبز دون تغيير، مما سيبطئ الدفع نحو خفض عجز الموازنة.

وقال مسعود أحمد، الذي يترأس إدارة الشرق الأوسط بصندوق النقد عن دور الصندوق في المنطقة، “اعتقد أننا تعلمنا”، مشيرا إلى أنه في الماضي كان الصندوق يركز أحيانا على أرقام الاقتصاد الكلي فقط أما الآن فإنه ينظر أكثر إلى جوانب أخرى يمكن أن تؤثر على الصورة الكلية للاقتصاد مثل الفقر.

بسمة المومني: الصندوق بات أكثر تركيزا على خفض الفقر والحد من عدم المساواة

وبعد 2011، أطلق أحمد حملة علاقات عامة لتحسين صورة الصندوق في المنطقة ليدشن مدونة ناطقة بالعربية لشرح سياسات الصندوق ويعقد لقاءات في الكثير من الأحيان مع السياسيين والصحفيين.

وتقول ريهام الدسوقي، كبيرة الاقتصاديين لدى بنك الاستثمار الإقليمي أرقام كابيتال، إنه كنتيجة جزئية لتلك الجهود فإن علاقات الصندوق مع مصر تغيرت منذ التسعينات من القرن الماضي، كما أن العلاقة تطورت وأضحت شراكة أكثر منها علاقة بالعصا والجزرة.

ولفت خان إلى أن صندوق النقد تغير لأنه صدم بهشاشة الاقتصادات خلال الربيع العربي بينما تبخرت معدلات النمو المتسارعة واختفى الاستثمار بين عشية وضحاها.

وقال “الربيع العربي كان له تأثير مهين على موظفي الصندوق”.

وحتى الآن، فإن صندوق النقد يبدو ناجحا في تجنب الغضب الشعبي وهو الأمر الذي ميز العديد من أدواره السابقة في المنطقة.

ويشكو المصريون من ارتفاع أسعار الوقود، لكنّ القليلين يلقون باللوم على الصندوق.

وفي السنوات القادمة قد يتم وضع هذا النجاح موضع اختبار، وربما يكون القرض الذي حصلت عليه مصر لأجل ثلاث سنوات مجرد البداية لعبء مالي طويل الأجل.

10