صندوق النقد الدولي ورؤيته للصراعات في منطقة الشرق الأوسط

الأحد 2016/10/02
آلة المال تتبرأ من النزاعات التي أشعلتها

عمان - مهما بلغت حيادية المراقب لتطور السياسة الدولية الأميركية، فإنه لن يستطيع تجاهل نزوعها الإمبريالي وتعاملها الفوقي مع المجتمع الدولي، وأكثر ما تتبدّى هذه السياسة على حقيقتها؛ في اللحظات التاريخية المعيارية، التي يتم فيها الانتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى.

بعد التوسع الكبير في استخدام الدولار الأميركي على مستوى العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وصل الأمر حدّ عدم قدرة الولايات المتحدة الأميركية على السيطرة على عمليات التوسع الهائل في كمية الدولارات المستخدمة في العالم، ما تتطلب من الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون أن يعلن في عام 1971 فك ارتباط الدولار بالذهب، لعدم التناسب بين كمية الدولارات المطروحة والمطلوبة في العالم مع كمية الذهب المخزن في فورت كونكس، بحيث لم يعد مجديا معها حتى رفع سعر الأوقية إلى 38 دولارا.

طبعا جرى هذا الأمر من دون أيّ تنسيق مع الشركاء الدوليين، حيث مارست أميركا التصرف بالطريقة الفوقية “اللائقة” بالقوة العظمى، التي تفرض ما يلبّي مصالحها على الجميع، حتى لو بالشكل الذي يتم فيه خرق القوانين والأعراف الدولية.

في هذه اللحظة برزت أهمية صندوق النقد الدولي الذي تأسس بعيد الحرب العالمية الثانية، بهيمنة أميركية واضحة، تُعلن أفول المرحلة البريطانية وبداية الزمان الأميركي، فتشكل هذا الصندوق برأسمال دولي شارك به أكثر من أربعين بلدا، من ضمنها مصر بـ45 مليون دولار، برأسمال إجمالي يصل نحو تسعة مليارات دولار، حصة أميركا منه حوالي 3 مليارات وبريطانيا 1.5 مليار دولار، بما يضمن الهيمنة الأميركية على الصندوق.

تم إنشاء صندوق النقد الدولي لبناء نظام اقتصادي دولي جديد أكثر استقرارا وتجنبا للأخطاء التي وقعت في العقود السابقة وألحقت خسائر فادحة للإنسانية، لكن، وعلى مدى السبعين عاما الماضية، ظل الصندوق في حالة تغير وتكيف دائمة، تعكس أحداث التاريخ وتأثره بأفكار اقتصادية وسياسية تحقق مصالح مركز الرأسمال العالمي الجديد.

كيف يفكر صندوق النقد

خلال الأيام العشرة الماضية، نشر صندوق النقد الدولي دراسة بعنوان “الأثر الاقتصادي وأزمة اللاجئين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، سلّط الضوء من خلالها على الصراعات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما جرى التركيز على أثر الصراعات على الدول وما تجاورها من بلدان.

الصندوق يهدف إلى منع وقوع الأزمات في النظام الدولي، عن طريق تشجيع البلدان المختلفة على اعتماد سياسات اقتصادية سليمة، كما أنه، كما يتضح من اسمه، صندوق يمكن أن يستفيد من موارده الأعضاء الذين يحتاجون إلى التمويل المؤقت لمعالجة ما يتعرضون له من مشكلات في ميزان المدفوعات

تم التأكيد من خلال هذه الدراسة على ضرورة دعم الأردن ولبنان وتونس وبعض الدول الأفريقية بحيث تتمكن من مواجهة أعباء اللجوء.

ليس خافيا أن توقيت نشر الدراسة قُصدَ منه أن يكون مع قرب اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي شارك بها قادة دول العالم في نيويورك؛ للتباحث في سبل وضع حد للمأساة التي يواجهها الشعب السوري منذ أزيد من خمس سنوات، ومساعدة الملايين من المهاجرين واللاجئين.

يقول تقرير صندوق النقد الدولي بأن الأولوية القصوى هي تكثيف المساعدات الإنسانية العاجلة، سواء في مناطق النزاع أو في البلدان التي تستضيف أعدادا كبيرة مثل الأردن ولبنان، وخلصت الدراسة إلى ضرورة تعزيز الاقتصادات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث شردت الصراعات أكثر من 20 مليون شخص، وأكثر من 10 ملايين منهم أصبحوا لاجئين. كارثة ليس لها مثيل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

بحث التقرير التكاليف الاقتصادية الفادحة للعنف والصراع، وكيفية إيجاد السياسات الملائمة الهادفة لتخفيف الخسائر، وإعادة إعمار البلدان المتأثرة، وإعادة الهيكلة الاقتصادية.

مزيد من الهشاشة

مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد قالت في مقالة لها نشرت بالتزامن مع تقرير صندوق النقد الدولي إن “التكاليف الاقتصادية للصراعات هائلة، بالإضافة إلى الخسائر المأساوية في الأرواح والدّمار المادي والحروب والصراعات الداخلية في دول مثل العراق وليبيا وسوريا واليمن وتفاقم مستويات مرتفعة أصلا من الفقر والبطالة، حيث أن الدول أصبحت تتجه إلى المزيد من الهشاشة ومحو مكاسب التنمية السابقة لكل جيل”.

وأضافت لاغارد معلقة على الصراع في المنطقة “على سبيل المثال، معدلات التسرب من المدارس السورية وصلت 52 بالمئة في عام 2013، وانخفض متوسط العمر المتوقع إلى 56 عاما بدلا من 76 سنة قبل الحرب”.

وأوضحت أن “الصّراعات أدت إلى ارتفاع معدل التضخم، وضعف الأوضاع المالية، وتسببت بركود عميق للمؤسسات المتضررة”. مضيفة أنه وعلى سبيل المثال “بعد أربع سنوات من القتال العنيف، انخفض إنتاج سوريا إلى أقلّ من نصف مستواه في عام 2010، قبل اندلاع النزاع، في حين ارتفع التضخم بنحو 300 نقطة مئوية في مايو 2015، وهو أحدث شهر توفّرت فيه البيانات”.

وحول الحرب في اليمن، قالت لاغارد “فقد اليمن نحو 25-35 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2015 وحده، هذه هي أرقام مذهلة، الصراعات تترك آثارا عميقة على الاقتصاد، ونحن نقدر أنه حتى مع معدل نمو سنوي مرتفع نسبيا قدره 4.5 بالمئة، الأمر سيستغرق في سوريا أكثر من 20 عاما حتى يرتد إلى مستوى الناتج المحلي الإجمالي قبل اندلاع الصراع في العام 2010”.

تقرير صندوق النقد الدولي يقول إن الأولوية القصوى هي تكثيف المساعدات الإنسانية العاجلة، سواء في مناطق النزاع أو في البلدان التي تستضيف أعدادا كبيرة مثل الأردن ولبنان، داعيا إلى ضرورة تعزيز الاقتصادات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

حسب الدراسة لم يتوقع صندوق النقد الدولي انحسار الصراعات في المنطقة في وقت قريب، بالنظر إلى التدهور الحاصل والمتجه نحو الأسوأ وإحباط قدرة الدول المحيطة على النمو.

وحول إمكانية أن تؤدي السياسات الاقتصادية في تخفيف التكاليف الاقتصادية للصراعات وتدفقات اللاجئين، لفتت الدراسة إلى أن “السياسات الفعالة هي التي ترتكز على حماية المؤسسات الاقتصادية، وتحديد أولويات الإنفاق من الموازنة لخدمة الاحتياجات العامة الأساسية، واستخدام سياسات النقد والصرف لتعزيز الثقة”.

أهداف وأدوار

صندوق النقد الدولي يعتبر اليوم المؤسسة المركزية في النظام النقدي الدولي، أي نظام المدفوعات الدولية وأسعار صرف العملات الذي يسمح بإجراء المعاملات التجارية بين البلدان المختلفة.

يستهدف الصندوق منع وقوع الأزمات في النظام الدولي عن طريق تشجيع البلدان المختلفة على اعتماد سياسات اقتصادية سليمة، كما أنه -كما يتضح من اسمه- صندوق يمكن أن يستفيد من موارده الأعضاء الذين يحتاجون إلى التمويل المؤقت لمعالجة ما يتعرضون له من مشكلات في ميزان المدفوعات.

تتضمن الأهداف القانونية لصندوق النقد الدولي تيسير التوسع والنمو المتوازن في التجارة الدولية، وتحقيق استقرار أسعار الصرف، وتجنب التخفيض التنافسي لقيم العملات، وإجراء تصحيح منظم لاختلالات موازين المدفوعات التي تتعرض لها البلدان. ولتحقيق هذه الأهداف، يقوم الصندوق بما يلي: مراقبة التطورات والسياسات الاقتصادية والمالية في البلدان الأعضاء وعلى المستوى العالمي، وتقديم المشورة بشأن السياسات لأعضائه استناداً إلى الخبرة التي اكتسبها مند تأسيسه.

إضافة إلى إقراض البلدان الأعضاء التي تمرّ بمشكلات في موازين مدفوعاتها، ليس فقط لإمدادها بالتمويل المؤقت وإنما أيضاً لدعم سياسات التصحيح والإصلاح الرامية إلى حلّ مشكلاتها الأساسية. وكذلك تقديم المساعدة الفنية والتدريب في مجالات خبرة الصندوق إلى حكومات البلدان الأعضاء وبنوكها المركزية.

تتمثل أهداف صندوق النقد الدولي في ما يلي: تشجيع التعاون الدولي في الميدان النقدي بواسطة هيئة دائمة تهيئ سبل التشاور والتآزر في ما يتعلق بالمشكلات النقدية الدولية. وتيسير التوسع والنمو المتوازن في التجارة الدولية، وبالتالي الإسهام في تحقيق مستويات مرتفعة من العمالة والدخل الحقيقي والمحافظة عليها، وفي تنمية الموارد الإنتاجية لجميع البلدان الأعضاء، على أن يكون ذلك من الأهداف الأساسية لسياستها الاقتصادية.

التوسع الكبير في استخدام الدولار الأميركي على مستوى العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أوصل الأمور إلى حد عدم قدرة واشنطن على السيطرة على التوسع الهائل في كمية الدولارات المستخدمة في العالم، ما تطلب من الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون أن يعلن في عام 1971 فك ارتباط الدولار بالذهب

إضافة إلى ذلك، العمل على تحقيق الاستقرار في أسعار الصرف والمحافظة على ترتيبات صرف منتظمة بين البلدان الأعضاء، وتجنب التخفيض التنافسي في قيم العملات. والمساعدة على إقامة نظام مدفوعات متعدد الأطراف فيما يتعلق بالمعاملات الجارية بين البلدان الأعضاء، وعلى إلغاء القيود المفروضة على عمليات الصرف والمعرقلة لنمو التجارة العالمية. وتدعيم الثقة لدى البلدان الأعضاء، متيحاً لها استخدام موارده العامة مؤقتاً بضمانات كافية، كي تتمكن من تصحيح الاختلالات في موازين مدفوعاتها دون اللجوء إلى إجراءات مضرة بالرخاء الوطني أو الدولي.

أنسنة الصندوق

يجب أن تتحمل الولايات المتحدة مسؤولياتها الدولية والإنسانية. فلم تعد خافية أهداف سياساتها ومراميها على المستوى الدولي، ومن الناحية الأخلاقية لا يجوز لها أن تتنصل من واجباتها فتنكفئ إلى شؤونها الداخلية بعد أن أدخلت العالم، خصوصا الدول الفقيرة في الشرق الأوسط في فوضى عارمة. فبعد ما نتج عن سياساتها في فلسطين وأفغانستان والعراق والصومال، هاهي دول أخرى تنضم إلى هذه الدول مثل ليبيا وسوريا واليمن.

وما زالت السياسة الأميركية تتوارى خلف الشعارات والمؤسسات الدولية، تاركة الحبل على الغارب للآفات التي تفتك بأكثر من نصف سكان الأرض، ومتنصلة من مسؤولياتها حيال الشعوب المُفقّرة التي أصبحت لقمة سائغة للجوع والمرض والتشرد.

إن من واجبات صندوق النقد الدولي اليوم ليس فقط الترويج للتنمية الاحتوائية وإسداء النصائح للدول المضيفة للاجئين باتخاذ قرارات قاسية لدمجهم في مجتمعاتها، بل القيام بتلبية مستعجلة لحاجات اللاجئين والدول المستضيفة لهم، لأن كلفة اللجوء تصبح مضاعفة نتيجة تقاسم المقدرات البسيطة مع شعوب هذه الدول الفقيرة.

8