صندوق النقد يستكشف الأزمة المالية اللبنانية المغلقة

بعثة الصندوق تكتفي بتقديم المشورة دون وعود بتقديم أي تمويل.
الجمعة 2020/02/21
حصار أمام خيارات محدودة

بدأ خبراء صندوق النقد الدولي مهمة شاقة لاستكشاف الأزمة الاقتصادية والمالية اللبنانية، دون وعود بتقديم الدعم، حيث تقتصر عنوان الزيارة على تقديم المشورة للبحث عن سبل إنقاذ الاقتصاد من الانهيار في ظل تواصل أزمة السيولة وتدهور العملة المحلية واقتراب آجال استحقاق سندات دولية بقيمة 1.2 مليار دولار.

بيروت - عقد وفد صندوق النقد الدولي الخميس اجتماعات مع الرئاسات اللبنانية الثلاث وكبار وزراء الحكومة للبحث عن سبل إخراج البلاد من أسوأ أزمة اقتصادية منذ عقود.

وتأتي تلك الاجتماعات بعد طلب الحكومة من المنظمة الدولية تقديم مساعدة تقنية للبحث عن سبل الخروج من دوامة الانهيار المتسارع لجميع التوازنات المالية والاقتصادية.

ويعاني لبنان منذ أشهر من أزمات متفاقمة بسبب شح السيولة وارتفاع في أسعار المواد الأساسية وفرض المصارف إجراءات مشددة على العمليات النقدية وسحب الدولار. كما تنتظر البلاد استحقاقات مهمة، على رأسها تسديد جزء من الدين العام المتراكم الشهر المقبل.

وحسب ما نقله المكتب الإعلامي لرئاسة الوزراء، في سياق محاولات احتواء الأزمة التقى رئيس الحكومة حسان دياب وعدد من الوزراء، بينهم وزير المالية غازي وزني، بوفد من خبراء صندوق النقد الدولي.

غازي وزني: نحن في مرحلة المشورة والمساعدات تأتي في المرحلة المقبلة
غازي وزني: نحن في مرحلة المشورة والمساعدات تأتي في المرحلة المقبلة

ونسبت وكالة الصحافة الفرنسية إلى وزني قوله إنّ “وفد الصندوق سيتابع عمله حتى الانتهاء من التعاون مع لبنان لإعداد الخطة”، موضحا “أننا في مرحلة المشورة التقنية، والمساعدات تأتي في المرحلة المقبلة”.

ويرى خبراء أن هذه الخطوة غذت مخاوف اللبنانيين من عزم الحكومة طلب مزيد من قروض لسد الفجوة المالية ما يزيد من حجم الدين العام الذي يشكل أحد أكبر المطبات وبالتالي المزيد من الرسوم الضريبية لتغطية الفجوة المالية في ظل تعطل محركات الإنتاج.

وحسب المتحدث باسم صندوق النقد جيري رايس فإن زيارة الوفد تستمر حتى الأحد، وتهدف إلى “الاستماع إلى آراء السلطات بشأن الطريقة التي تعتزم اعتمادها لمواجهة الصعوبات الاقتصادية ولتقديم مساعدة تقنية بشأن السياسات الواجب اعتمادها”.

ويبلغ الدين العام في لبنان نحو 92 مليار دولار، أي ما يعادل أكثر من 150 في المئة من إجمالي الناتج المحلي.

ويتزامن الانهيار الاقتصادي مع اقتراب استحقاق سندات اليورو بقيمة 1.2 مليار دولار، ما يثير جدلا وسط انقسام حول ضرورة تسديده في موعده في التاسع من مارس المقبل أو التخلّف عنه.

ودعت جمعية المصارف إلى ضرورة تسديد السندات في موعدها حفاظا على ثقة المستثمرين بلبنان، فيما قال رئيسها سمير صفير عقب لقائه بدياب “إذا كانت الحكومة متجهة إلى جدولة الدين، فيجب التفاوض مع حاملي سندات الدين وخاصة الصناديق الاستثمارية في الخارج التي أظهرت حتى الآن جهوزية للتفاوض”.

ويحذر محللون من أن تسديد المستحقات في موعدها سيفاقم الأزمة المالية ويُضعف احتياطي العملات الأجنبية، في حين يشكل استمرار الضبابية الاقتصادية معضلة أخرى حيث يعمق مخاوف المستثمرين خصوصا مع بطء الإصلاحات.

ووفق تقرير نشر في نوفمبر الماضي لـ”بنك أوف أميركا ميريل لينش”، تملك المصارف اللبنانية نحو 50 في المئة من سندات اليورو مقابل نحو 11 في المئة لمصرف لبنان وحوالي 39 في المئة لمستثمرين أجانب.

إلا أن هذه النسب قد تكون تغيّرت وسط تقارير عن بيع مصارف محلية مؤخرا جزءا من السندات لمستثمرين أجانب.

1.2 مليار دولار قيمة سندات دولية يستحق تسديدها الشهر المقبل وتمثل اختبارا قاسيا

وينصب التركيز على ما ستفعله الحكومة حيال سندات دولية تبلغ قيمتها 1.2 مليار دولار تستحق في 9 مارس المقبل، حيث سيعني العجز عن السداد تدهورا خطيرا في الوضع المالي اللبناني السلبي بالفعل، فضلا عن تقليص فرص إصدار سندات جديدة بأسعار فائدة قابلة للاحتمال.

وحسبما تقول مصادر مالية مطلعة، لم تعلن الحكومة حتى الآن خططها في هذا الصدد، لكن إمكانية الالتزام بالسداد، والتي تعني المحافظة على قدرتها على الاقتراض ومنع إعلان الإفلاس، بدأت تهتز في الأيام الأخيرة.

ووفق مصدر قضائي، بدأ القضاء اللبناني الأسبوع الحالي التحقيق لتحديد المصارف والمؤسسات المالية والأشخاص الممولين الذين باعوا نسبا من سنداتهم إلى مستثمرين أجانب.

وأكّد الرئيس اللبناني ميشال عون الخميس خلال جلسة لمجلس الوزراء أنّ “هناك إجراءات سنتخذها ليتحمل المسؤولية كل من ساهم بإيصال الأزمة إلى ما وصلته من خلال عمليات غير قانونية سواء عبر تحويل الأموال إلى الخارج أو التلاعب بالسندات الدولية”.

وتجري السلطات اللبنانية تحقيقات في تحويل مليار دولار إلى الخارج بين 17 أكتوبر، حين بدأت التظاهرات العارمة ضد الطبقة السياسية، ونهاية 2019 رغم القيود المشدّدة للمصارف على حركة الأموال.

وتفاقمت الأزمة الاقتصادية القائمة منذ أمد طويل العام الماضي مع تباطؤ تدفقات رؤوس الأموال واندلاع احتجاجات مناهضة للنخب الحاكمة بسبب عقود من الفساد وسوء الإدارة.

وضع مالي صعب
وضع مالي صعب

ورغم تفاقم الأزمة، ملحقة الضرر الشديد باللبنانيين، لا توجد بادرة مساعدة خارجية. وأوضحت دول غربية وخليجية، كانت قدمت العون في السابق، أن أي دعم يعتمد على تنفيذ بيروت إصلاحات مؤجلة منذ أمد طويل لمعالجة الأسباب الجذرية مثل الفساد الحكومي وسوء الإدارة.

ويرى خبراء أن دعم حزب الله للحكومة اللبنانية يثير قلقا للمستثمرين والدول الأجنبية ويمكن أن يقف حائلا دون تقديم المساعدة للبنان للخروج من أزمته نظرا لتصنيف الأخير ضمن قائمات المنظمات الإرهابية وارتباطاته المشبوهة بطهران.

وقال مصدر مطلع إن لبنان سيفحص الجمعة مقترحات الشركات المتقدمة بعروض للاضطلاع بدور المستشار المالي والقانوني في ما يتعلق بخياراته.

وفي ظل شح العملة الأجنبية، عمدت البنوك إلى الحد من حصول المودعين على الدولار ومنعت التحويلات للخارج منذ أكتوبر الماضي. وتراجعت الليرة اللبنانية عن السعر الرسمي في السوق الموازية.

وقال متعامل إن الدولار عُرض الخميس عند 2450 ليرة، مما يعني تراجع قيمة العملة المحلية بنسبة 60 في المئة.

ويواجه البلد المثقل بالدين خطر خسارة ما يصل إلى 80 في المئة من استثماراته، إذ ستكون عليه إعادة هيكلة أشد إيلاما من تلك التي وقعت في انهيار سندات اليونان في عام 2010 والتي لم تخرج منها إلا في العام الماضي.

11