"صندوق باندورا" أعجوبة السينما الصامتة

لويز بروكس الأسطورة التي احتجبت مبكرا بعد أن حصرها المنتجون في دور الفتاة اللعوب التي تعيش على هامش الرجال.
الأحد 2019/12/08
لويز بروكس.. رمز التمرد النسوي في العشرينات

نحن نعيش حاليا ونشاهد الأفلام القديمة التي كان يُعتقد أنها قد أصبحت في ذمّة التاريخ، بفضل التكنولوجيا الرقمية، فلولا التكنولوجيا الحديثة لما أمكن استعادة وترميم وطبع نسخ جيدة تطابق الأصل من أفلام السينما الصامتة.

والفضل يرجع أيضا إلى الجهود الكبيرة التي يبذلها الباحثون من عشاق السينما والمؤمنين بالفيلم كوثيقة استثنائية تدل على عصره، من أجل إعادة اكتشاف الأفلام القديمة التي اختفت أو تقطعت أوصالها وكدنا أن نيأس من العثور عليها.

من هذه الأفلام الفيلم الألماني الشهير “صندوق بندورا” (Pandora’s Box (1929. هذا الفيلم الذي أخرجه العملاق جورج فيلهلم بابست (1885-1967) هو أحد أفلام جمهورية فايمار في ألمانيا (1918-1933).

في تلك الفترة شهدت ألمانيا اهتزازات اقتصادية كبيرة كما عرفت الهزيمة المريرة في الحرب العالمية الأولى، مما انعكس على الفن فظهرت الحركات الفنية الجديدة التي تعكس ذلك الشعور بالخوف والاهتزاز والتشكك وسيادة مناخ عدم الاستقرار والرعب من المستقبل.

في مقدمة هذه الحركات، حركة التعبيرية الألمانية (التي ظهرت كنقيض للواقعية) وصنعها عدد من كبار السينمائيين أمثال فرتيز لانغ ومورناو وبابست، كما شملت التعبيرية الفنون المعاصرة مثل الرسم والتصوير والعمارة والمسرح والرقص والنحت.

قصة ميلودرامية ترتبط بموضوع السقوط الإنساني
قصة ميلودرامية ترتبط بموضوع السقوط الإنساني

الطبيعية مقابل التعبيرية

أما “صندوق بندورا” فعلى الرغم من وجود لمسات كثيرة فيه من التعبيرية خاصة وأن مصوره هو غونتر كرامف، الذي صور فيلم مورناو الشهير “نوسفيراتو” (1922) أحد الأمثلة النموذجية على التعبيرية في السينما، إلا أن أسلوبه في “صندوق بندورا” يميل إلى “الطبيعية”.

إنه يروي قصة ميلودرامية ترتبط بموضوع السقوط الإنساني. ويصور كيف تتحول امرأة شابة جذابة، من ضحية تعرّضت لجميع أنواع التلاعب والاستغلال من جانب الرجال، إلى شخصية مدمرة، تدمر كل من يقترب منها وكل من يسعى لاستغلالها.

إن لولو (لويز بروكس) فتاة تجسد بقوة نموذج التحرر الأنثوي الذي بدأ في الظهور في أجواء الثقافة السائدة في برلين في أوائل العشرينات وتمثل في: اللهو، غشيان الأندية الليلية، والرقص، والاختلاط الماجن، والسهر، والشراب، وانتشار صالات الفن.. الخ، وكان هذا كله مرتبطا بخروج المرأة للعمل بكثافة.

المخرج الألماني بابست كان يبحث عمّن يمكنها القيام ببطولة فيلمه الجديد {صندوق بندورا}. وقد أصبح مفتونا بحضور لويز بروكس منذ أن شاهدها في فيلم {فتاة في كل ميناء} للمخرج هاوارد هوكس

وفي تلك الفترة ظهر نموذج المرأة المتمردة وتجسد في طريقة الملبس وتصفيفة الشعر والسلوكيات عموما.

في أوائل العشرينات ظهرت لويز بروكس، الأميركية ابنة أركنساس وتعلّمت كيف تعبّر عن تمردها العنيف من خلال الرقص التعبيري الحديث، ثم التحقت بهوليوود لكنها لم تكن راضية عن أدوارها فقد حصرها المنتجون في دور الفتاة اللعوب التي تعيش على هامش الرجال.

وكان المخرج الألماني بابست يبحث عمّن يمكنها القيام ببطولة فيلمه الجديد “صندوق بندورا”. وقد أصبح مفتونا بحضور لويز بروكس منذ أن شاهدها في فيلم “فتاة في كل ميناء” للمخرج هاوارد هوكس. ولكنها لم تستطع أن تحزم حقائبها وتهجر هوليوود إلا بعد ما وقع من مشاكل مع شركة بارامونت التي كانت ترتبط معها بعقد قامت بخرقه وسافرت إلى برلين لتضطلع ببطولة “صندوق بندورا”.

قدرات الممثلة

"رفيقة السفر" إعادة تصوير لعصر لويز بروكس
"رفيقة السفر" إعادة تصوير لعصر لويز بروكس

تمكّن بابست من استخدام كل ما يستطيع من إمكانيات لويز الجسدية والخارجية وملامح وجهها بل وقصة شعرها التي أصبحت شهيرة، كما ركّز على انفعالات وجهها في لقطات قريبة جدا استغرقت على الشاشة زمنا أطول مما كان معتادا في أفلام السينما الصامتة.

كان شعر لويز القصير المقصوص من الجانبين عند أسفل الأذنين، يضفي عليها سمات تجمع بين الأنوثة والصبيانية المحببة. وقد قلدتها كثير من النساء اللاتي أظهرن التمرد على فكرة شعر المرأة الطويل المنسدل الذي كان سائدا في الماضي. الآن أصبحت “لويز”-أو “لولو” في الفيلم- تلهو وتسهر وتشرب وتتلاعب بالرجال كما يحلو لها.

يروي الفيلم كيف ترتبط لولو بعلاقة مع ناشر يهودي ثري يكبرها في العمر هو “شيغلوش”. هذا الرجل لديه ابن، شاب هو “إيلوا”، واقع بدوره في غرام لولو. لكن الأب يضبطها ذات ليلة مع رجل عجوز في الشقة التي استأجرها لها، تقدمه إليه باعتباره “سيدي الأول”.. هل كانت عاهرة وكان هو “القواد” الذي يدبر لها الأمور؟ هي تنكر أنها عاهرة، ولكنها تتصرف تصرفات توحي بأنها كذلك، وهذا الرجل العجوز مدمن الخمر، سيستمر طوال الفيلم في حمايتها وتدبير أمورها ليسفر عن دوره الحقيقي قرب النهاية في الفيلم الذي يستغرق ساعتين و16 دقيقة. وقد أصبح الفيلم متوفرا في نسخة شديدة الرونق والجمال، تحافظ على جمال الصورة (بالأبيض والأسود) التي يتبدى جمالها بفضل الإضاءة الناعمة باستخدام مرشحات خاصة للتحكم في الضوء، مع الديكورات التي تظهر طبيعة الشخصيات وتعكس هواجسها الداخلية، ثم تتغير إلى أماكن كئيبة خافتة الإضاءة مع الانتقال من حياة الترف إلى التردي والسقوط في وهدة الفقر والفاقة والتسول في لندن واضطرار البطلة للخروج إلى الشارع بحثا عن “زبون” يكون بالصدفة، هو “جاك السفاح”.

رغم ما حققته لويز بروكس من نجاح كبير عادت إلى أميركا، وظهرت في أفلام أخرى ناطقة في أدوار صغيرة قبل أن تعتزل السينما مبكرا في عام 1938 وتتفرغ للكتابة

“لولو” الراقصة الشابة التي أوقعت بالثري اليهودي وابنه في حبائلها، ستقع في ورطة كبيرة عندما يتشاجر معها شيغلوش بسبب خيانتها له، ويشهر مسدسه في وجهها، ولكن في غمرة صراعها معه لحماية نفسها تنطلق الرصاصة وتصيبه في مقتل.

وفي المحاكمة تبدو “لولو” في ثياب تضفي عليها جمالا ومزيدا من السحر في ذلك النقاب الشفاف الذي تسدله على وجهها، ونستطيع أن نلـمح إعجابا خاصا بها من طرف ممثّل الادعاء الذي لا يستطيع أن يرفع عينيه عنها وهو يطالب بالحكم عليها بالإعدام. لكن لولو تتمكّن من الهرب من حبيبها إيلوا، بمساعدة راقص بدين انتهازي كان زميلها في المسرح.

ومن ألمانيا إلى فرنسا ثم إلى لندن، حيث تختبئ، يتصارع عليها الجميع ولكن ليس من أجل الحصول على جسدها بل لمقايضة حريتها بالمال.

علاقات ملتبسة

الفيلم يتمتع بجرأة كبيرة
الفيلم يتمتع بجرأة كبيرة

يتمتع الفيلم بجرأة كبيرة فهو يظهر علاقة “لولو” المثلية مع امرأة تظل مخلصة لها حتى النهاية، كما يظهر الفيلم بجرأة مشاهد “إيروتيكية” جريئة، يستخدم فيها بابست اللقطات القريبة وقطعات المونتاج والحركة وارتجافات الجسد ولكن من دون ابتذال بل تبدو كرقص تعبيري رقيق.

وجدير بالذكر أن الفيلم تعرّض لأبشع أنواع الرقابة سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا، فقد منع من العرض في أميركا أولا ثم سمح بعرضه وعرض في أواخر 1929 بعد استبعاد الكثير من مشاهده، وتغيرت نهايته في نسخة أخرى، واستبعدت لقطات كثيرة واختصر زمن عرضه. وتعرضت النسخة الفرنسية أيضا للاختصار والتشويه، ولم يمكن مشاهدته كاملا إلا في الخمسينات بعد إعادة اكتشافه وعرضه في السينماتيك الفرنسية حيث دعيت بروكس لحضور عروض أفلامها هناك، ورحب بها مدير السينماتيك هنري لانغلوا وقال في تقديمها قولته الشهيرة “لا تقل غريتا غاربو ولا مارلين ديتريتش.. فليس هناك سوى لويز بروكس”!

رغم ما حققته لويز بروكس من نجاح كبير عادت إلى أميركا، وظهرت في أفلام أخرى ناطقة في أدوار صغيرة قبل أن تعتزل السينما مبكرا في عام 1938 وتتفرغ للكتابة. وقد صدرت مذكراتها بعنوان “لولو في هوليوود” قبل ثلاث سنوات من وفاتها عام 1985 عن 79 سنة.

15