"صنع في إيطاليا" مبدأ يدافع عن الخصوصية الغذائية

عبارة تعد بمثابة ختم يوثق جودة النوعية في عالم الأطعمة مثلما هو الحال مع عبارة "صنع في ألمانيا" بالنسبة للسيارات.
السبت 2019/12/07
بروسيكو طعم إيطالي لا علاقة له بالنكهة الأوروبية

السياسيون والعامة في إيطاليا يكرسون كل جهودهم للدفاع عن ثقافتهم المطبخية وخصوصيتها، معتبرين استخدام أي مصطلح خاص بأطعمتهم على مأكولات غير إيطالية مئة بالمئة سرقة للهوية، حيث تعد عبارة “صنع في إيطاليا” بمثابة الختم الذي يوثق جودة النوعية في عالم الأطعمة.

روما - يفخر الإيطالي بعاداته الغذائية ويفترض أن الطعام الجيد ممزوج بدمائه، معتبرا بعض الممارسات المتبعة من قبل الأجانب عند الأكل بمثابة خطايا لا تغتفر. وهذا من بين الأسباب التي دفعت الإيطاليين إلى إحداث ضجة كبيرة في البلاد، مؤخرا، بسبب رقائق البطاطس.

وتتمثل المشكلة في أنه يتم بيع هذه الرقائق تحت اسم “نكهة بروسيكو” المأخوذة من نوع من الشراب الكحولي الإيطالي الشهير، وهذا الوصف مدوّن على غلاف العبوات.

وبروسيكو يعد نوعا من النبيذ الفوار منتج من أعناب تنضج فقط على التلال الملتوية الصاعدة رويدا رويدا في إقليمي فينيتو وفريولي فينيتسيا جولي الإيطاليين، كما يتعين إنتاجه في هذه المنطقة فقط.

ولا يمكن استخدام اسم بروسيكو الذي يخضع لحماية الملكية الفكرية إلا في المنتجات التي تحتوي على هذا النبيذ الأصلي، وثمة قدر من الشك في إيطاليا حول ما إذا كانت رقائق بروسيكو التي تطرح من بين منتجات الاسم التجاري “برينجلز” تحتوي حقيقة على نبيذ بروسيكو الأصلي، وفي الحقيقة هي تحتوي على مسحوق يحمل اسم بروسيكو.

وأعرب لوكا زايا، رئيس إقليم فينيتو، عن أسفه إزاء ما حدث قائلا “لا يمكننا بعد ذلك أن نسمح لأي شخص بأن يستخدم الاسم التجاري الأصلي، الذي يعبر عن منطقة جغرافية محلية معينة، والخاضع للحماية دون تصريح”، مضيفا أنه لا يجب أن يتم تقويض جودة وأصالة الأطعمة والمشروبات الإيطالية بالغش.

وتحدثت وزيرة الزراعة الإيطالية تريزا بيلانوفا عن “سرقة الهوية”.

عراقة تفوح من المطبخ الإيطالي
عراقة تفوح من المطبخ الإيطالي

وغالبا ما يسعى السياسيون في إيطاليا إلى القيام بأفعال تجلب لهم الشهرة والتقدير عن طريق الدفاع عن الأطعمة التي تنتج في إقليم معين، فعلى سبيل المثال نجد أن رئيس الوزراء جويسبي كونتي دخل مؤخرا في جدل، معارضا فرض تعريفات جمركية أميركية على صادرات جبن البارميزان المنتج في إقليم إيميليا رومانا. كما اكتسب وزير الداخلية الإيطالي السابق ماتيو سالفيني شهرة عن طريق تناول فطائر الكانولي المنتجة في صقلية خلال زيارة له لهذه الجزيرة الكائنة في الجنوب الإيطالي، بالإضافة إلى أنه أعلن أنه سيقاطع النوتيلا لأن مكوناتها ليست إيطالية بنسبة 100 بالمئة.

وقال سالفيني في تجمع حاشد في وقت متأخر الخميس “لقد غيرت رأيي لأنني اكتشفت أن النوتيلا تستخدم البندق التركي وأنا أفضل مساعدة الشركات التي تستخدم المنتجات الإيطالية”.

وأضاف “أفضل تناول الطعام الإيطالي إذا كان بإمكاني وأن أساعد المزارعين الإيطاليين”.

ويحب سالفيني الإعلان عن عاداته الغذائية كجزء من استراتيجيته عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وغالبا ما كانت تظهر النوتيلا بين صور الطعام عبر حساباته على تويتر وفيسبوك.

ونجد أن رئيس إقليم ليجوريا الإيطالي، جيوفاني توتي، أيضا يحب دائما أن يربط نفسه مع صلصة البيستو “جينوفيسي” التي ترجع تسميتها إلى مدينة جنوا، ويزعم توتي أن هذه الصلصة تم ترشيحها لتدرج في قائمة اليونسكو للتراث العالمي.

ودشن عمدة مدينة بولونيا، فيرجينيو ميرولا مؤخرا دعوة لإلغاء الاسم المزيف “سباكيتي بولونيز” المنتشر في الخارج، وفي إيطاليا لا يطلق هذا الاسم على هذا الطبق المكون من المكرونة المغطاة بالصلصة واللحم المفروم، وهو مشتق من اسم مدينة بولونيا عاصمة إقليم إيميليا رومانا ولكنها تعرف فقط باسم “راجو”.

وزير الداخلية السابق ماتيو سالفيني أعلن مقاطعته للنوتيلا لأن مكوناتها ليست إيطالية 100 بالمئة، وهو يفضل مساعدة الشركات التي تستخدم المنتجات الإيطالية

وتعد الأطعمة أحد أهم المحركات التي تدفع حركة السياحة والنشاط الاقتصادي في إيطاليا، كما أن عبارة “صنع في إيطاليا” تعد بمثابة الختم الذي يوثق جودة النوعية في عالم الأطعمة، مثلما هو الحال مع عبارة “صنع في ألمانيا” بالنسبة للسيارات، ويشعر الإيطاليون بالزهو البالغ إزاء تراثهم في المأكولات.

وهناك مواقع للتواصل الاجتماعي مخصصة لتشجيع الإيطاليين على التهكم على الأجانب الجاهلين وأخطائهم عند تناول الأطعمة، مثل وضع المكرونة في الماء الذي لم يصل إلى درجة الغليان أو خلط الفاكهة مع الخضروات عند إعداد السلطة أو تناول قدح من الكابتشينو بعد الانتهاء من الأكل، أو نثر قطع من جبن البارميزان فوق طبق المكرونة بالأسماك، أو وضع قطع من الأناناس على سطح البيتزا.

ولا توجد أي دولة أوروبية تضاهي إيطاليا في عدد الأطعمة الكثيرة المكفول لها وضع الحماية، ويبلغ عدد هذه المنتجات الإيطالية 823 منتجا، وتشمل النبيذ المنتج في بلدة تشيانتي ولحم الخنزير من مدينة بارما، إلى جانب أنواع أخرى قد لا تكون حائزة على الشهرة العالمية مثل العدس القادم من بلدة نورتشيا الكائنة بإقليم أومبريا وعشب الحبق القادم من جنوا.

ويقول إنريكو بوناديو، وهو خبير في أنواع الأطعمة المحمية التي تنتمي إلى مناطق جغرافية محلية، ويعمل بجامعة سيتي بلندن، إن “هذا العدد الكبير من الأطعمة المحمية في إيطاليا يعد علامة تشير إلى الأهمية التي تمثلها ثقافة الطعام، لأنك إذا فرضت الحماية على طعام يرجع أصله إلى منطقة جغرافية محددة تكون بذلك قد كفلت الحماية لتراث ما أو هوية معينة، فلا يستطيع أحد إنتاج النبيذ في فنلندا ويطلق عليه الاسم التجاري بروسيكو”.

وخلال 12 عاما مضت زادت معدلات صادرات المنتجات الغذائية الإيطالية بنسبة 140 بالمئة، ومن هنا فإنه ليس مما يثير الدهشة أن المواطنين في إيطاليا لا يريدون أن يروا “منتجات بروسيكو المزيفة” تطرح على أرفف متاجرهم، ومع ذلك في دول أوروبية أخرى لم تحدث منتجات رقائق البطاطس التي تحمل هذا الاسم مثل هذه الضجة المثارة في إيطاليا.

وأفاد متحدث باسم شركة كيلوجز للصناعات الغذائية التي تنتج رقائق برينجلز المكونة من البطاطس ودقيق القمح “ليست هناك على الإطلاق أي خطة لطرح هذا المنتج في الأسواق الإيطالية، وبالتالي لا يزال يتعين علينا أن نعرف كيف شق طريقه إلى هنا، حيث أن هذا المنتج هو نوعية محدودة الإنتاج مخصصة للبيع في عدد محدود من الدول الأوروبية، من بينها إنكلترا وألمانيا على سبيل المثال”.

Thumbnail
17