صنّاع الوهم في شارع المتنبي

التباسات كثيرة تُثار في شكل اللقاءات والجهات المنظمة لها من منظمات مجتمع مدني وغيرها من المسميات التي يحفل بها شارع المتنبي، مثلما يحفل أيضا بمتسولي بعض المنظمات المدنية.
الجمعة 2018/04/06
نشاطات مختلفة يشهدها شارع المتنبي في كل جمعة

شارع المتنبي ظاهرة حضارية وثقافية وجمالية في وسط العاصمة بغداد، وقد أشرنا إليه في أكثر من مناسبة تدعونا إلى أن نذكره ونتذكره بوصفه رئة ثقافية يتنفس المثقفون من خلالها الجديد في عالم الكتب والإصدارات والمعرفة العامة، كما أنه مكان سياحي تاريخي يؤمّه السياح العرب والأجانب المهتمون بالشواهد التاريخية المعاصرة والأمكنة ذات الطابع الثقافي؛ مثلما صار مركزا ثقافيا للكثير من النشاطات الشهرية الشعرية والسردية والبحثية، إذ تشهد الجمعة الأسبوعية مثل هذه النشاطات المتواصلة على مدار النهار في المركز الثقافي الذي يضم قاعات للمحاضرات سُميت بأسماء كتّاب رواد وكبار مثل: نازك الملائكة، وعلي الوردي وغيرهما.

ومثل هذه النشاطات الدؤوبة سنرى أنها تضفي أهمية اعتبارية على الجو الثقافي العام وتفعّل بعضا من ملامحه التسويقية المطلوبة، لكن من جانب آخر أثيرت وتُثار أسئلة ليست محدودة في النوع الثقافي الذي يتم تكريمه أو تقام له أصبوحة تكريمية؛ بعدما عزّت علينا الأماسي؛ كما تُثار التباسات كثيرة في شكل اللقاءات والجهات المنظمة لها من منظمات مجتمع مدني وغيرها من المسميات التي يحفل بها شارع المتنبي، مثلما يحفل أيضا بمتسولي بعض المنظمات المدنية الذين يرتدون أزياء التمريض مثلا، بدعوى مساعدة الأيتام والفقراء والمهجّرين، وبشكل أصبح مثار شكوك كثيرة نتساءل عنها دائما ونحن نرى الشيء الكثير من هذه الثنائية: الثقافة والتسول في شارع المتنبي!

المنابر الأصيلة تحتاج إلى فرسان أدب، وإلى مبدعين أكفاء يديرون المشهد بوعي له قابلية الامتصاص والضخ في الوقت نفسه

لا نبخس حق القائمين على الفعاليات الثقافية في الشارع ومراكزه الكثيرة، ولا نعرف حقيقة التسول اليومي الذي يكتظ به شارع المتنبي، لكن تجدر الإشارة إلى أن الالتباس الحاصل هو في النوع الثقافي الذي يطالعنا في الكثير من الأحيان بأسماء غير مفهومة (وليست غير معروفة) حينما تقام لها أصبوحات أدبية ومن ثم يتم تكريمها بدروع ورقية وشهادات بائسة، لنجد الكثير من هذه الأسماء تتصدر تلك القاعات ومن ثم الصفحات الثقافية لصحفنا المستهلكة، ولا ضير أن تتبوّأ أماكنها في الفضائيات المجانية التي يزدحم الشارع بها بمناسبة أو من دون مناسبة.

بشكل ما نتساءل من دون قصد: كيف تتم إجراءات الأصبوحات الأدبية في نهار الجمعة؟ ومن الذي يحددها؟ وأيّ جهة مدنية تفوّض حالها لتقيم مثل هذه الأصبوحات والأدبيات المتواترة على مدار العطلات الأسبوعية؟ وما هي الروافد الأخرى التي تغذّي مثل هذه النشاطات للكثيرين ممن هم دون المستوى الإبداعي المطلوب حتى لو في حدّه الأدنى!

هذه الصناعات المجانية في الحيّز الثقافي تثار فعلا، قد خلقت أوهاما كثيرة في الشارع الثقافي وصنعت البعض منها على أساس مبدأ إتاحة الفرص للموهوبين، وهو أمر لسنا ضده أبدا، لكن لنا رأي صريح ضد التجارب غير المكتملة، والناقصة، تلك التي تعوزها خبرة القراءة قبل الكتابة، أما إذا كانت المسألة التصديق بالوهم وصناعته فهذا أمر ينبغي على القائمين به أن يفهموا الكثير من التقاليد الثقافية الرصينة، فليس بالدروع والشهادات الورقية الرخيصة جدا يُصنع الموهوبون، ولا بالندوات التي يديرها مَن هم أقل شأنا من غيرهم، ونعتقد أن المنابر الأصيلة تحتاج إلى فرسان أدب، وإلى مبدعين أكفاء يديرون المشهد بوعي له قابلية الامتصاص والضخ في الوقت نفسه، وتقديم الأصوات التي يمكنها أن تصنع نفسها من دون الحاجة إلى المنابر المجانية، تلك التي يضج بها المركز الثقافي الواقع في شارع المتنبي، وهذا الأخير الذي ابتلي بصنّاع التسول بطريقة تبدو مهذبة تحت شعارات متعددة ليس أقلها مساعدة الأيتام وإعانة المهجّرين.

إننا دائما مع الموهوبين ومع المبدعين، ومع الأقلام الواعدة التي ترى في الواقع المساحة التي تتحرك فيها كتابة وإبداعا، بدلا من هذا النزيف الأسبوعي الذي لا طائل من ورائه.. ولكننا ضد استشراء حالة التسول قطعا!

14