صهاريج عدن الصامدة تحمي العدنيين منذ آلاف السنين

الخميس 2014/05/08
الصهاريج تمثل معلما تاريخيا شاهدا على حضارة اليمن

عدن (اليمن)- تعد “صهاريج عدن” من أبرز المعالم التاريخية والسياحية في محافظة عدن خاصة واليمن عامة، ويحرص زوار المدينة، من داخل البلاد وخارجها، على زيارتها والوقوف على روعتها ودقتها الهندسية.

“صهاريج عدن” سلسلة متواصلة من أحواض المياه تبدأ من سفوح جبل شمسان وتنتهي بوادي “الطويلة” الذي يصب في مياه البحر بخليج عدن قرب قلعة صيرة.

يقول خالد عبدالله رباطي، مدير عام الصهاريج، إن تاريخ بنائها يعود إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، في عهد دولة سبأ التي حكمت اليمن في الفترة من 1200 قبل الميلاد إلى 275 ميلاديا، وكانت عاصمتها مدينة مأرب “شمال شرق”، وأعقبتها الدولة الحميرية التي استمرت حتى 527 ميلاديا، حسب ما تبينه الكتب والمراجع التاريخية.

وكان سفير اليمن لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة “اليونسكو” أحمد الصياد قال إن اليمن يعتزم تسجيل صهاريج عدن ضمن قائمة التراث العالمي، حسب تصريحه لوسائل الإعلام أواخر الشهر الماضي. ويقدر الباحثون عدد الصهاريج بنحو 50 صهريجا، معظمها صار مطمورا تحت الأرض، وبقي منها 18 صهريجا فقط، وفقا لرباطي.

وعرف اليمنيون القدماء باهتمامهم بالزراعة واعتمادهم عليها، لذلك أقاموا السدود والحواجز المائية، كما ابتكروا طرقا جديدة للتعامل مع مياه الأمطار، ومنها بناء صهاريج عدن التي تتجلى وظيفتها الرئيسية في حفظ مياه الأمطار وتصريف ما يفيض منها في مصبات معينة، بعيدة عن المناطق السكنية.

الصهاريج ما تزال صامدة رغم مرور آلاف السنين

يقول خالد رباطي إن الصهاريج رغم أنها شيدت قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام لكنها صامدة، وتقوم بدورها بفضل قوة صخورها البركانية، كما أن المادة المستخدمة في بنائها قوية وصلبة ومتماسكة، ومادة البناء عبارة عن رماد بركاني مختلط بمادة النورة (مادة تستخدم في الطلاء) تشكلت تحت درجة حرارة عالية.

ويضيف رباطي أن الصهاريج تقوم بحماية المدينة من الفيضانات والسيول الموسمية، وتخفف اندفاعاتها وأضرارها المحتملة على المنازل القريبة، كما تقوم بخزن الماء وتصريف ما فاض منه إلى البحر.

ويتذكر مواطنون في عدن أن أمطارا غزيرة هطلت على المدينة في العام 1953 إبان الاحتلال البريطاني وأدت إلى تخريب عدد من المنازل القريبة من الصهاريج، التي طُمرت غالبيتها تماما وطال بعضها التخريب والإهمال، وهو ما لفت انتباه السلطات، التي قدرت أهمية المحافظة على ما تبقى منها، وسعت حينها إلى ترميم أجزاء منها.

وعن مستوى الإقبال على الصهاريج من الزوار المحليين والسياح العرب والأجانب قال رباطي إنها تراجعت في السنوات الأخيرة بسبب الأحداث الأمنية التي تشهدها البلاد في عدد من المحافظات.

وقال إن الصهاريج كانت في الفترة السابقة وحتى العام 2010 تستقبل سنويا آلاف الوافدين من الداخل والخارج، ونسبة كبيرة منهم قادمون من دول عربية وأوروبية.

وعن الصعوبات التي تواجهها إدارة الصهاريج في الوقت الراهن قال رباطي إن البنية التحتية والخدمات الأساسية للصهاريج متهالكة، ولا توجد نفقات تشغيلية، مما يعني أن الإدارة تواجه أوضاعا صعبة من الناحية المالية، أبرزها عدم قدرتها على تسديد الديون المستحقة على الصهاريج لمؤسسة المياه، والتي تتجاوز مليون ريال يمني (5 آلاف دولار أميركي).

كما أن تراجع إقبال السياح والزوار ضاعف من المشاكل المادية، إذ تعتمد الإدارة في تسيير شؤونها على ما تحصل عليه من رسوم الوافدين الرمزية، “رسوم الدخول إلى الصهاريج تعادل نصف دولار عن الفرد الواحد”، حسب رباطي. وقال مدير عام الصهاريج إن ما تحصل عليه الإدارة من مبالغ زهيدة يتم إنفاقه على العمال الذين يكافحون من أجل الحفاظ على الصهاريج و نظافتها.

تقوم الصهاريج بتصريف ما فاض من السيول إلى البحر

ويلاحظ الزائر للصهاريج أنها تعاني من إهمال الجهات الحكومية، حيث تكاد تنعدم فيها الخدمات الأساسية من مياه نقية وإضاءة ودورات مياه وغيرها، رغم أن جهات خارجية تكفلت بإجراء أعمال ترميم وإعادة تأهيل في أجزاء رئيسية من الصهاريج كان لها أثرها في إيقاف انهيارات محتملة لها.

وفي الآونة الأخيرة بدأت مبادرات شبابية ومدنية تتكفل بمساعدة إدارة الصهاريج في تنظيف الصهاريج والترويج لها من خلال إقامة أنشطة فنية وثقافية هناك.

وكانت الحكومة اليمنية أنشأت في العام 2003 “منتدى صهاريج عدن”، وهو عبارة عن ملتقى ثقافي إبداعي يحمل اسم الصهاريج ويقوم بالفعاليات الفنية والأدبية والثقافية، إلا أن نشاطاته في أغلبها بقيت شبه موسمية.

ومثله المؤتمر السياحي السنوي الذي تنظمه وزارة السياحة كل عام، وهو عبارة عن مهرجان يستمر عدة أيام في أواخر العام باسم “مهرجان صهاريج عدن”، وخصصت الحكومة لمهرجان العام الجاري مبلغ 3 ملايين و سبعمئة ألف ريال (يعادل 17 ألف دولار أميركي).

وفي سياق حديثه عن الصعوبات، قال مدير عام الصهاريج ان الجهات المسؤولة تعاني من تضارب الصلاحيات والتدخلات من الجهات الحكومية الإشرافية في وزارة الثقافة وهيئة المحافظة على المدن التاريخية (هيئة حكومية تهتم بالمناطق التاريخية والأثرية)، ولم يتسن الحصول على تعقيب فوري من الحكومة اليمنية على تلك التصريحات.

وطالب رباطي وزارة الثقافة بـ”بذل الـمزيد من الجهود لتلافي أوضاع الصهاريج التي تعد مؤسسة سياحية فريدة على مستوى العــالم، وإعــادة ترميمها باعتبارها ملـــكية عامة ومعلما تاريخيا شاهدا على حــضارة اليمن”.

20