صواريخ أس - 400 تحدث صدعا في جدار التحالف الأميركي التركي

الخلاف حول نظام الدفاع الجوي يعد أحدث حلقة في الصدامات التي أصبحت متكررة بين أنقرة وواشنطن التي قد تلجأ إلى تطبيق التهديد المتعلق بـ"قانون مكافحة أعداء أميركا".
الجمعة 2019/07/19
القبضة تحتاج أن تكون أقوى لتفادي السقوط

تجد تركيا نفسها في وضع يتعين عليها فيه أن تقرر بين الحليف الروسي، أو تقبل الضرر الاقتصادي المحتمل للعقوبات الأميركية وطردها من برنامج أف 35. لكن، بينما تدرك تركيا العواقب الاقتصادية المترتبة على اختيارها، تدفع اعتبارات أنقرة المحلية إلى التضحية بالاقتصاد واختيار النظام الروسي.

واشنطن- خلقت المصالح المتضاربة بين تركيا الولايات المتحدة صداما بين الحليفين، إذ لا تريد أنقرة أن تتراجع عن اتفاق طال انتظاره، في حين ترغب واشنطن في الضغط على حليفتها للتراجع عن قرار ترى فيه تهديدا لها.

ومع وصول نظام الدفاع الجوي الروسي أس 400 إلى تركيا، تلوح أزمة جديدة في الأفق إذ أصبحت العلاقات الأميركية التركية الهشة مهددة بالانهيار، كما هو حال علاقات تركيا مع الدول الأوروبية، التي لم تعد ترى في أنقرة حليفا مهما في حلف الناتو بل خطرا يمكن أن يهدد حلف شمال الأطلسي.

تقترب أنقرة من موسكو وتبتعد عن شركائها الغربيين في قضايا مثل سوريا وإيران وفنزويلا. وقدمت شهادة قبول لها في النادي الروسي غير المضي قدما في صفقة الصواريخ الروسية أس 400 رغم تحذيرات واشنطن، التي جاءت ردة فعلها الأولى استبعاد تركيا من برنامج المقاتلات أف 35.

ويعدّ الخلاف حول نظام الدفاع الجوي أس 400 أحدث حلقة في هذه الصدامات التي أصبحت متكررة بين أنقرة وواشنطن، التي يتوقع أن تلجأ إلى تطبيق التهديد الثاني المتعلق بـ”قانون مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات” الذي وظفته البلاد لفرض عقوبات على الكيانات المتعاملة مع موسكو.

ويلفت الباحث التركي غوكهان باجيك إلى أن تسليم نظام الدفاع الجوي، الذي بدأ الأسبوع الماضي، ستكون له تكلفة سياسية واقتصادية، مشيرا إلى أن تركيا مهيأة لتحول في النموذج الذي تتبعه في سياستها الخارجية.

برزت هذه الحقيقة بشكل جلي مع صفقة الصواريخ الروسية، التي جذبت المزيد من الاهتمام وسلطت الضوء على علاقة الشريكين في حلف شمال الأطلسي، كما أثارت الصفقة تساؤلات تتمحور حول من تراهم أنقرة حلفاءها وخصومها.

العلاقة الروسية التركية

أزمة جديدة تلوح في الأفق
أزمة جديدة تلوح في الأفق

إثر الأزمة التي شهدتها العلاقات التركية الروسية في نوفمبر 2015 بعد أن أسقطت تركيا طائرة حربية روسية بالقرب من حدودها مع سوريا، بدأ البلدان يتقاربان مجددا في أواخر يونيو 2016. ودخلت العلاقات الثنائية فترة جديدة تصدرت خلالها القضايا الإقليمية، وخاصة سوريا، أولويات البلدين.

ويشير كريم هاس، الباحث في معهد الشرق الأوسط، إلى أنه على الرغم من اختلافهما في جل القضايا، تمكنت تركيا وروسيا من إبقاء العلاقة ودية بينهما. ويمكن تفسير ذلك أساسا من خلال “النموذج غير المتماثل” في العلاقات التركية الروسية الذي تطور بعد أزمة 2015.

وتطورت هذه الديناميكية أكثر إثر محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في تركيا ليلة 15 يوليو 2016، عندما قدمت القيادة التركية تنازلات ملحوظة للكرملين لضمان الدعم الأجنبي في الوقت الذي أضر فيه الاستبداد بشرعية النظام الداخلية وأعاق طموحاته الدولية.

وبدأت المفاوضات حول منظومة أس 400 في خريف سنة 2016، ونتجت عنها صفقة بقيمة 2.5 مليار دولار في نهاية السنة التالية. دفعت تركيا بعض المستحقات وتحصلت على قروض من روسيا بلغ مجموعها 55 بالمئة من الكلفة الجملية.

وعلى الرغم من تزايد الضغط الأميركي، أرسلت تركيا خبراء عسكريين إلى روسيا في مايو 2019 لتدريبهم على استخدام منظومة أس 400، وتسلمت أنقرة الدفعة الأولى من المنظومة خلال الأيام القليلة الماضية.

بالنسبة لأنقرة، تمنح الصفقة نقطة لصالح علاقاتها مع روسيا. وتتجسّد أهمية هذه العلاقة على المستويين الأمني ​​والاستراتيجي، إذ تعد موافقة موسكو أمرا حاسما لتحقيق أهداف أنقرة في سوريا، ومواجهة الأكراد، الذين تدعمهم الولايات المتحدة.

كما يساعد شراء الأسلحة الروسية تركيا على الوفاء بإستراتيجيتها الطويلة المتعلقة بتنويع المصادر التي تمدها بالأسلحة والاستفادة من شركاء غير الولايات المتحدة نظرا إلى خلافات البلدين السياسية والإستراتيجية المتكررة.

وللصفقة أهداف داخلية أيضا؛ فبالنسبة لأردوغان وحزب العدالة والتنمية يبهج الخلاف مع الغرب، والتقارب مع روسيا، القوميين الذين يشكلون جزءا كبيرا من قاعدة الحزب السياسية. ويفسر غوكهان باجيك ذلك مشيرا إلى أن حزب الحركة القومية اليميني المتطرف، الشريك الأصغر في التحالف مع حزب العدالة والتنمية، له تاريخ مع معاداة الغرب.

وينظر حزب الحركة القومية إلى الغرب على أنه عدو للأتراك، كما ينظر إلى المنظمات الغربية -مثل الاتحاد الأوروبي- على أنها معادية، لأسباب كثيرة، الجزء الأكبر منها يتعلق باقتناع الحزب بأن هذا التكتل يدعم حزب العمال الكردستاني، الذي يقاتل من أجل الحكم الذاتي في جنوب شرقي تركيا منذ عام 1984.

ويضيف باجيك أنه في ظل عدم وجود برنامج اقتصادي فعّال لدى التحالف الذي يضم حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، يستعين التحالف بوسائل استبدادية، مشيرا إلى أن التحالف القومي الإسلامي يدرك أن حكم تركيا بالوسائل الاستبدادية يستلزم توجها جديدا للسياسة الخارجية.

تفكر واشنطن في توظيف “قانون مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات”، وإنهاء مشاركة تركيا في برنامج أف 35

ويحلم تحالف حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية بحليف دولي بديل، مُمنّيا نفسه بأن يسمح له ذلك الحليف الجديد بالتزام أقل تجاه القضايا المعقدة، مثل سيادة القانون، والسوق الحرة، والديمقراطية.

ويذهب في السياق ذاته كريم هامس، مشيرا إلى أنه كان من الصعب جدا على النخبة الحاكمة التركية الحالية الانسحاب من صفقة أس 400، لافتا إلى أن السيناريو الأكثر احتمالا لانسحاب تركيا من الصفقة سيكون الانقسام في حزب العدالة والتنمية. وظهور قوى سياسية جديدة نتيجة لتفتيت الحزب قد يؤدي إلى انتخابات مبكرة ويغير حسابات القيادة التركية مرة أخرى، بغض النظر عَمَّنْ يتولى السلطة.

الرد الأميركي

بالنسبة للولايات المتحدة، يتضمّن شراء الصواريخ الروسية تداعيات إستراتيجية وعسكرية مقلقة، إذ يمكن أن يعقد توسع العلاقات الدفاعية الروسية التركية تحالف أميركا مع أنقرة التي اعتبرتها أحد حلفائها في الناتو منذ فترة طويلة.

ويلفت خبراء في مركز ستراتفور للدراسات الأمنية والإستراتيجية إلى أن الولايات المتحدة متخوّفة من طرق توظيف تركيا لنظام الصواريخ. وتقول واشنطن إن حصول تركيا على منظومة الدفاع الروسية يشكل تهديدا للمقاتلات الأميركية طراز أف 35، حيث تستطيع روسيا جمع معلومات عن المقاتلات الأميركية التي تمر عبر سماء تركيا.

نتيجة لذلك، تفكر واشنطن في توظيف “قانون مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات”، وإنهاء مشاركة تركيا في برنامج أف 35. وفي شهر مايو الماضي، تقدم 3 من أعضاء لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وطرحوا مشروع قانون يضاف إلى قانون آخر، ويطلق على المشروعين اسم “قانون حماية سماء الناتو لسنة 2019”.

7