صواريخ تركيا الجديدة: تحديث دفاعي أم مناورة انتخابية

يشكك الخبراء في نوايا أنقرة من وراء الترويج لرغبتها في تحقيق الاكتفاء الذاتي العسكري وفتح مجال التعاون مع جهات أخرى غير الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، مشيرين إلى أن ما تقوم به تركيا يمكن وصفه باستراتيجية مزدوجة لتحصين النفس على حساب دول “حلف الناتو” بغية الضغط على الدول الغربية للحصول على عروض جيدة في ما يتعلّق بالحرب في سوريا والعلاقة مع المملكة العربية السعودية والوضع في الشرق الأوسط والعضوية الأوروبية، ويتنزل ذلك أيضا في سياق محاولة أردوغان لحشد التأييد والدعم لحزبه، حزب العدالة والتنمية، قبل الانتخابات البرلمانية الصعبة الشهر المقبل.
الخميس 2015/05/28
المعارضة التركية: أردوغان يتصرف وكأنه سلطان من العصور الغابرة في ثوب عصري

أنقرة - يقلل الخبراء من أهمية التصريحات التركية حول رغبة أنقرة في تبني سياسة دفاعية عسكرية مستقلة وشراء أسلحة من دول خارج منظمة حلف شمال الأطلسي، وبالتحديد من الصين. وصنف المحللون الاستراتيجيون هذه التصريحات في خانة الابتزاز والمساومة للخروج بأقل قدر ممكن من المنافع في ظلّ الاضطراب الحاصل في المنطقة الإقليمية وخلافاتها مع حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي وفشلها في الاستفادة من أحداث “الربيع العربي” ورغبتها في أن تكون لاعبا مؤثرا ضمن أي تحالف، تقوده الرياض، ضد التوسع الإيراني في المنطقة.

وكان رجب طيب أردوغان قال في مؤتمر للصناعات الدفاعية في إسطنبول، هذا الشهر، “ما دام هناك معتدون في العالم فسيتعين علينا أن نكون جاهزين للدفاع… وهدفنا هو تخليص صناعات الدفاع بالكامل من الاعتماد على الخارج بحلول العام 2023”.

وجاءت تصريحات أردوغان، بالتزامن مع عودة الحديث عن مفاوضات بين أنقرة وبكين لإبرام عقد مع الشركة الصينية لتصدير وتوريد الآليات الدقيقة، وهي شركة خاضعة للعقوبات الأميركية بسبب نظام “إيتش كيو- 9”. ويتوقّع الخبراء أن تصبح التطورات المحيطة باقتناء تركيا لمنظومة دفاع صاروخي طويل المدى (تي- لوراميدس) مسألة خلاف جديدة بين أنقرة وحلفائها الغربيين. وفي العادة، تلبّي تركيا، البلد العضو في الحلف الأطلسي منذ سنة 1952، حاجاتها الدفاعية عن طريق المتعاقدين الأميركيين والأوروبيين، بالإضافة إلى بعض الصناعات العسكرية المحليّة. لذا فإن الإعلان عن الشروع في عملية التفاوض مع الشركة الصينية تسبب في بعض القلق بين الحلفاء في الناتو.

واختارت أنقرة الشركة الصينية لاستيراد وتصدير الآلات الدقيقة عام 2013 كصاحبة أفضل عرض لشبكة صواريخ طويلة المدى في مشروع قيمته 3.4 مليار دولار، وقالت إن الاستحواذ على تكنولوجيا جديدة يمثل أولوية بالنسبة إليها. وأصبح الوضع أكثر غرابة عندما قال وزير الدفاع التركي عصمت يلمز، في التاسع عشر من فبراير الماضي، إن نظام الدفاع الصيني لن يدمج في أنظمة الناتو الحالية، وهو تصريح فهم على أنه يدل على تفضيل للنظام الصيني. وأثار ذلك قلقا لأن الولايات المتحدة سبق أن فرضت عقوبات على الشركة الصينية بسبب مخالفات لقانون منع الانتشار النووي في إيران وسوريا وكوريا الشمالية.

أنقرة تتمرد على الناتو دون تحسب للعواقب

دعاية انتخابية

يعكس حلم أردوغان في أن تتولى تركيا بنفسها تصنيع كل ما تحتاج إليه من عتاد عسكري في غضون سنوات قليلة، طموحه في أن تلعب بلاده دورا أكبر في منطقة مضطربة وتحقيق الاستقلال عن الحلفاء القدامى في الغرب، بعد أن فشل في انتزاع العضوية الأوروبية وانقطعت بها السبل نحو العودة النفوذ إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وفي ظل توترت علاقات تركيا مع الغرب، وخاصة مع الولايات المتحدة، بسبب وجهات النظر المتباينة من الحرب السورية.

ومع تصاعد الانتقادات الداخلية والمعارضة له، لم يجد الرئيس التركي من وسيلة سوى التلويح بورقة تحقيق الاكتفاء الذاتي العسكري، علّها ترفع من ميزان حسناته عند الأتراك، وهو المقبل على انتخابات مصيرية يسعى من خلالها إلى تثبيت التأييد لسلطات رئاسية أقوى.

وفي محاولة لحشد التأييد لحزبه حزب العدالة والتنمية قبل الانتخابات البرلمانية الصعبة الشهر المقبل دعا أردوغان مرارا إلى جعل تركيا من كبار مصدري كل شيء في العتاد الحربي من البنادق إلى الطائرات المقاتلة. ويتسق ذلك مع هدفه المعلن باستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية.

لكن، حتى لو امتلكت تركيا هذه القدرة الدفاعية العسكرية، وحتى لو وقّعت الصفقة مع الجهات الصينية، فلن تمتلك معها حرية التصرف فيها أو الاستفادة المطلقة منها خارج منظومة حلف الناتو والقوى الإقليمية والدولية، ويذكّر الخبراء في هذا السياق، بالحظر على الأسلحة الذي فرضته الولايات المتحدة على أنقرة بعد أن غزت القوات التركية شمال جزيرة قبرص عام 1974.

ويشكّك صندوق “جارمان مارشال” الأميركي في نوايا أنقرة من وراء هذه الصفقة، خاصة في ظل مطاطية خطابها في السياسات الدولية مؤخرا. وأضاف الصندوق أن ما تقوم به تركيا يمكن وصفه بـ”استراتيجية مزدوجة لتحصين” النفس على حساب دول حلف الناتو بغية الضغط على الدول الغربية للحصول على عروض جيدة، فيما يتعلّق بالحرب في سوريا والوضع مع الأكراد، والعضوية الأوروبية، وأيضا لا يمكن إغفال الحملات الانتخابية للحزب الحاكم.

البنية التحتية التركية لا تتحمل التخلي عن نظام الناتو وأنقرة ستبقى في حاجة إلى غطاء الدفاع الصاروخي الأطلسي

وفي كل الأحوال، يبدو أن صانعي القرار الأتراك يحاولون التفاوض من أجل الحصول على أقصى المنافع. لكن في ظل هذه الظروف من الصعب توقّع أي تقدّم لأنقرة بما أن مبيعات الأسلحة تخضع لمصادقة الكونغرس في الولايات المتحدة، حيث سيكون مسار العلاقات الأميركية التركية أحد العوامل المهمة لإتمام مثل تلك الصفقة.

ويذكّر الباحثان التركيان، أحمد هان وكان باسابوغلو، اللذين أعدّا تقرير صندوق مارشال، بمجموعة من المحاولات التركية في مجال تحقيق صفقات أسلحة بعيدا عن الناتو والولايات المتحدة الأميركية، لكنها باءت بالفشل، الأمر الذي يبني عليه الخبراء تقليلهم للتصريحات الرسمية التركي بشأن الدفاعات العسكرية.

وفي الواقع ليس مشروع “تي-لوراميدس” هو أول محاولة تركية لاقتناء منظومة دفاع صاروخي وطنية. ففي سنة 1997 شرعت تركيا في مفاوضات للاشتراك في إنتاج منظومة “أرو الإسرائيلي” لكن الصفقة لم تتم بسبب معارضة الولايات المتحدة على أساس “نظام مراقبة التكنولوجيا الصاروخية”. وبالرغم من أن واشنطن غيّرت موقفها لاحقا، إلا أن الأزمة المالية التركية لسنة 2001 تسببت في القضاء على المشروع.

وفي سنة 2012 ومع تمدد الحرب السورية للبلدان المجاورة وجدت تركيا نفسها مرة أخرى في حاجة إلى بطاريات باتريوت. وقد واضطرت أنقرة لأن تطلب من حلف شمال الأطلسي أن ينشر صواريخ باتريوت في العام 2014 لدعم الأمن على امتداد حدودها مع سوريا. وبالرغم من أن صانعي القرار الأتراك حريصون على عدم ذكر إيران بالاسم، تبقى هذه الأخيرة بشكل واضح سببا آخر لرغبة تركيا في امتلاك قدرات دفاع صاروخي.

وينطوي اقتناء منظومة دفاع صينية بالنسبة إلى تركيا على سلبيات كبرى تتراوح بين المشاكل التقنية والتكتيكية المحضة إلى السياسية، فضلا عن مسائل تتعلق بالاندماج وقابلية التشغيل البيني.

توجه تركيا نحو الصين يثير حفيظة الغرب

نوايا أنقرة

أوضح مسؤولون أميركيون وسلطات الناتو أنه لن يتم دمج أنظمة الدفاع الصينية في أنظمة حلف شمال الأطلسي، واستنادا إلى تصريح وزير الدفاع التركي عصمت يلماز بأن “النظام الصيني لن يدمج إلا مع البنية التحتية الوطنية”، لا بد أن تكون أنقرة واعية بالوضع. وهذا النوع من القدرات الدفاعية من شأنه أن يخفض الفاعلية المطلوبة، إضافة إلى أن البنية التحتية التركية لا تتحمل التخلي عن نظام الناتو، ومن المكلف تعويض المعدات المفقودة كما يتطلب ذلك وقتا طويلا. إضافة إلى كل ذلك، لن يقدر أي خيار مطروح حاليا على الطاولة فيما يتعلق بمشروع “تي-لوراميدس” اعتراض الصواريخ البالستية. ومن ثمة لن يتمكن من توفير تغطية كاملة للتهديدات التي تواجهها البلاد، وبذلك ستبقى تركيا في حاجة إلى غطاء الدفاع الصاروخي الأطلسي لضمان حمايتها.

ويتوقع تقرير صندوق مارشال أن يكون للتوجه نحو الصين في هذا السياق تبعات خطيرة. فالشركة الصينية المعنية تخضع للعقوبات الأميركية، وإذا شرعت الشركات التركية في التعاون معها فستواجه صعوبات جدية في المشاركة بالمشاريع المشتركة التي لها ارتباط بالولايات المتحدة بما في ذلك مشروع تطوير المقاتلة “إف-35” ذات الأدوار المتعددة الذي تشارك فيه تركيا بنشاط. كما أنه من المحتمل أن يؤثر هذا الخيار على علاقات تركيا بحلفائها في الحلف الأطلسي جراء تأويلهم المحتمل على أنه ناتج عن ميولات سياسية تعكس تغيّرا في الالتزامات.

وحذّر صندوق مارشال من أن الشراكة المحتملة مع الصين وإن كانت تهدف إلى بعث إشارة إلى الغرب بأن لدى تركيا خيارات أخرى، فيجب عدم نسيان أن الأولويات التركية في السياسة الخارجية الإقليمية لا تتفق بالضرورة مع أولويات هؤلاء الشركاء الجدد المفترضين. وما سوريا إلا مثال واضح لذلك، إذ يوجد رابط هيكلي ضمني لا مفر منه بين مثل تلك الخيارات السياسية العسكرية والسياسة الخارجية، ومن ثمة لا يمكن تناولها فقط في حدود الاعتبارات العسكرية التقنية أو التجارية من جهة، أو التعامل معها ببساطة مثلما يميل الصينيون وبعض الأتراك إلى الاعتقاد، من جهة ثانية. ومن خلال بسط اليد العليا ربما تحاول أنقرة الحصول على صفقة أحسن فيما يتعلق بتأمين تكلفة منخفضة وإنتاج مشترك.

لكن تجدر الملاحظة إلى أن الإشارات المزدوجة من أنقرة لا تساعدها على تقوية موقفها التفاوضي، إذ أنها لم تفض إلى الآن وكما هو متوقع إلى صفقة أفضل.

6