صوت الصمت يتجلى مرئيا في أعمال إلياس مبارك

الفنان إلياس مبارك أعاد، في معرضه، إنتاج الواقع بناء على مبدأ ينص على أن الحياة غير عادية، وفيها من السحر ما يكفي لتكون غير محدودة ببضع صور ورقية.
الجمعة 2018/12/21
خيال فانتازي

بيروت- قدمت صالة “آرت أون 56 ستريت” البيروتية معرضا فنيا للمصور والمخرج السينمائي اللبناني إلياس مبارك بعنوان “الحياة العجائبية والممكنة للسيد آش”، والمعرض هو تشكيلي من ناحية أنه مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي شكلها الفنان مُتدخلا بالعديد من تفاصيلها حذفا أو إضافة أو تلوينا للبعض منها، الواحدة إلى جانب الواحدة وفق سياق زمني/ حدثي واضح يسرد فيه قصة مُفترضة وغير افتراضية لشخص أراد تسميته بـ”مستر آش”.

وكتب إلياس مبارك مقدما معرضه “عثرت على صندوق مُرمى على قارعة الطريق في إحدى شوارع برلين، دفعتني حشريتي إلى أن أفتح الصندوق لأجد مجموعة من الصور الفوتوغرافية القديمة التابعة لإحدى الأشخاص أطلقت عليه اسم السيد آش.. بعد اضطلاعي على الصور وجدت نفسي أدخل إلى عالم هذا الشخص وإلى تفاصيل حياته الموثقة منذ الصغر حتى مرحلة نضوجه، وترافق هذا الربط بين الصور بنزعة متعاظمة جعلت مني أتخيل حياته لأنني من هؤلاء المصورين الذين يعتبرون فن الفوتوغرافيا أكثر من مجرد التقاط صورة لا تحمل وزنا ما.. وهكذا أردت أن أعيد مستر آش إلى الحياة..”.

وبالفعل، أعاد إلياس مبارك بدوره المحوري كمصور فوتوغرافي مستر آش إلى الحياة، ولكن ليس بالضرورة بالشكل الذي ذكره في نصه المرافق ولا بالشكل الذي قدمه القيمون على المعرض، لا سيما في هذه الفقرة من النص “اختار الفنان من خلال توليف وإدخال عنصر الفانتازيا إلى الصور الجاهزة ابتكار نص خيالي، ليحل مكان الحقيقة التاريخية والواقع”.

نص "مُخترع"
نص "مُخترع"

وما صنعه الفنان في معرضه هو إعادة إنتاج الواقع بناء على مبدأ بالغ الأهمية ينص على أن الحياة هي بالمطلق غير عادية، وفيها من السحر ما يكفي لتكون غير محدودة ببضع صور ورقية تظهر أكثر مما تخفي.

النص “المُخترع” الذي قدمه مبارك للصور التي اختارها بتأن وولّف بينها متجاورة في نص سردي شبه سينمائي، واستخرج منها جرعات من السحر الذي بقي كامنا في الصندوق الذي عثر عليه على قارعة الطريق وفي قرارة حياة مستر آش الفعلية، قبل أن يغادرها تاركا وراءه إثباتات حضور في شكل صور أرادت أن تنجيه، كما كل الصور الشخصية التوثيقية من الموت نحو الخلود وإن حصريا في ذاكرة البعض من الناس حوله، هو نص مُخترع ارتأى الصدق لأنه استقصائي مبني على وقائع بصرية واضحة المظاهر. وأضاف المصور إليه، أي إلى الواقع الذي رآه، ما احتاج من عناصر كي يخرج الكامن فيه إلى علنه فيشاركه مع زائري المعرض الذين تمكّن من إثارة اهتمامهم بمن لم يعرفوه، أو سمعوا عنه يوما.

ووهب فصولا من هذا الواقع ألوانا محددة كالوردي الداكن لكي تتناسب مع الأجواء النفسية أو الميتافيزيقية لصور دون أخرى، صور استطاع أن يسبر أغوارها ويظهرها كأي مُصور مُحترف يمتلك حسا قويا وبصيرة نافذة، والفنان من هؤلاء المصورين بالرغم من صغر سنه (من مواليد 1985).

ومنح إلياس المُشاهدين الفرصة في أن يشاهدوا كمّ الأهمية الهائلة للحياة، حينما حاصرها وحصرها في بضع صور تختصر حياة كاملة، حياة كحياة مستر آش وكحياتنا جميعا لا يمكن من هذا المنظار أن تكون تافهة أو عديمة الجدوى، لذلك هي سحرية، سحرية الحياة بالمطلق.

والمتجول بين الصور سيعود إلى بعضها من منظار صور أخرى، ليس فقط لأنه بدأ يصوغ نصا سرديا انحرف عن مسار النص “الداخلي” المرئي الذي قدمه الفنان فقط، بل لأنه حتى المصور إلياس مبارك بات في عين المُتجول من الممكن تخايله على أنه مصور مستر آش الشخصي، وصديقه الذي رافقه في معظم مراحل حياته، ومن هنا تماما، تجيء مصداقية مُستخرجة تخص الفن وحده دون غيره وقد برع الفنان في اللعب على أوتارها.

أما النظارات المكسورة عدستها والتي وضعها الفنان في مكان ما من المعرض مع كتاب شعري باللغة الألمانية تطرح أسئلة: هل هي لمستر آش؟ هل هي لزائر المعرض الذي تمكن من مغادرة ظاهر الصور ليدخل إلى قلبها؟ أم هي للفنان الذي تبنى أو “تقمص” شخصية مستر آش وعدسة عينه على السواء وجال افتراضيا بنظراته في أرجاء المعرض؟

وإن كان لا بدّ من أغنية لحنا وكلمات تليق بعمل الفنان وتقبض على العصب المحرك له، فقد تكون أغنية “صوت الصمت” الشهيرة، والقائلة “هلا بالعتمة، يا صديقتي القديمة/ جئت لأكلمك من جديد/ لأن رؤيا تسللت إلى روحي/ تاركة بزورها في رأسي وأنا نائم/ وهذه الرؤيا التي زرعت في رأسي لا زالت تعيش في صوت الصمت”.

17