صوت العقل في عالم مصاب بالذعر

أظهر نصف قرن من الأبحاث أن الخوف هو من المشاعر الأقوى التي يستغلها أصحاب المصالح ولاسيما عندما يكون للمخاوف امتداد في الواقع.
الجمعة 2020/03/27
خوف في كل مكان

جميعنا على قناعة تامة بأن فايروس كورونا من أشرس الأوبئة المروعة التي تتهدد البشرية في الوقت الراهن، خصوصا بعد أن تمكن من اختراق حدود القارات، وجعل شعوب العالم مذعورة من بعضها البعض وتتبادل الاتهامات، بل تخشى الطعام الذي تأكله والهواء الذي تتنفسه.

لا شك أننا في حاجة إلى توخي الحذر والحرص على اتباع الإرشادات الوقائية، التي قدمها الخبراء لحماية أنفسنا والآخرين من حولنا، ولذا فالنظافة شيء جوهري للقضاء على هذا الفايروس، لأن السيطرة عليه قد تكون صعبة في ظل عدم وجود اللقاح المناسب وغياب عوارض الإصابة لدى البعض في مراحل مبكرة.

يقول درو ويستن عالم النفس السياسي بجامعة إيموري بتكساس إن “العقل البشري الذي يلتقط الخوف ويستجيب له يتصرف بطرق تصب في مصلحتنا في نهاية المطاف. فهي تقودنا إلى حماية أنفسنا وعائلاتنا”.

لكن هناك استثناءات في تلك المقولة العامة، فالشخص القادر على ضبط مشاعره وتنظيمها، هو الأكثر كفاءة في مواجهة مختلف المخاطر باتزان وعقلانية، غير أن الخوف عندما يصاحبه شعور مفرط بالقلق والإحباط، غالبا ما يخلف أمراضا نفسية مثل اضطرابات ما بعد الصدمة والاكتئاب، وحتى جسدية كالإصابة بالسكري وأمراض القلب، وقد لا تقتصر الآثار الضارة للخوف المرضي على الأشخاص العاجزين على ضبط استجاباتهم الشعورية، بل من الممكن أن تمتدّ إلى المحيطين بهم.

ومن الأهمية بمكان إدراك أن الشعور بالتوتر ينتقل كالعدوى من شخصٍ إلى آخر. ومن المرجح مثلا أن نجد أنفسنا فريسة لمثل هذا الشعور، إذا كان يجتاح أحد أفراد عائلتنا، وذلك في ضوء أن أدمغتنا مُعدّة ومصممة لنقل تلك المشاعر السلبية بسرعة من هذا الشخص إلى ذاك، وعلاوة على ذلك، باتت مواقع التواصل الاجتماعي في الوقت الحالي هي العامل الذي يستثير تلك الاستجابة الفيسيولوجية المُبرمجة مسبقا والتي كنا قد اكتسبناها عبر عصورٍ من التحولات والتطورات، لكي تساعدنا في الأصل على تجنب الخطر.

يعتقد الاختصاصي في علم الأعصاب جوزيف لودو من جامعة نيويورك أن هناك سببا وجيها وراء تطور مشاعر الخوف لدى البشر، فالناس البدائيون الذين لم يكونوا يملكون استجابة مصقولة جيدا حيال المخاطر تحولوا إلى طعام للكائنات المتوحشة.

الخوف شعور طبيعي يعزز البقاء من خلال توليد استجابة فورية لدى الفرد عند مواجهته تهديدا ما، لكن من المؤسف أن أصحاب المصالح قد استفادوا أيضا من الخوف، وحوّلوا مشاعر الناس السلبية إلى مورد إيجابي لهم.

ولا تعدّ فكرة “نشر الخوف” بالأمر الجديد، فقبل سنوات درس ديفيد داننغ أستاذ علم النفس هذه الظاهرة، محذرا من دور الإنترنت في نشر البلبلة بين الناس، فهي المكان الذي يلوذ إليه كل شخص للبحث عن ضالته، لكن في الوقت الذي يستفيد فيه البعض من المعلومات المتوفرة على هذه الشبكة، فإن الكثيرين يقعون ضحايا لأصحاب المصالح والنفوذ الراغبين في نشر الخوف عن قصد وتخطيط.

وأظهر نصف قرن من الأبحاث أن الخوف هو من المشاعر الأقوى التي يستغلها أصحاب المصالح ولاسيما عندما يكون للمخاوف امتداد في الواقع؛ ولا شك أن الاستغلال الذكي للخوف لا يضاهيه أي شيء آخر في توجيه الناس واستمالة مشاعرهم والسيطرة على عقولهم.

من المؤكد أن الرعب المسيطر على العالم حاليا سيسرق ويصنع الكثير من الأموال، ولكنه حتما لن يكون من الأزمات الوجودية، بل ستعود الحياة كما كانت، وسيستمر شروق الشمس وغروبها، ولن يتضوّع الناس جوعا بسببه.

21