صوت المعركة

الاثنين 2015/08/24

“لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”. شعار تاجرت به الأنظمة الشموليّة الاستبداديّة لتذرّ من خلاله الرماد في العيون، وتمارس التضليل والخداع على الشعوب، وتوهمها أنّ أجواء الحرب السائدة تمنع من الالتفات إلى قضايا يوميّة وحياتيّة عامّة، بحيث تكون الأولوية للمعركة، ويتمّ تجنيد الطاقات والمقدّرات كلّها في خدمتها، وذلك من منطلق التمهيد لأيّ بناء قادم.

أين صوت المثقّف في مواجهة صوت المعركة؟ هل يمكن أن يعلو أيّ صوت فوق قرقعة السيوف وأزيز الرصاص ودويّ المدافع؟ ألا يتّفق المتعاركون على تخوين الصوت المضادّ لأصوات معاركهم؟ ألم ينحرف كثير من المثقّفين عن أدوارهم المفترضة ليصبحوا أدوات في معارك الطغاة ضدّ الأوطان؟ ألم يتحوّل مثقّفون من أصوات يفترض بها التعبير عن هموم الناس وأحلامهم وهواجسهم إلى أبواق رخيصة للقتلة؟

تبدّى صوت المعركة، بعد عقود من استنزاف البلاد وأهلها، أنّه جعجعة لإدامة أحوال الفساد، وتوسيع دوائره، والمحافظة على الامتيازات والمكاسب، إذ أنّ الشعار العريض يكفل بحجب ما يغطّي عليه من عفن، ويكون بذلك معركة ضدّ الوطن وأهله، ونسفا لمفهوم المواطنة المنشودة، وتحطيما لأيّ آمال بالبناء. وأظهر أنّ الصوت قد يكون صدى لإملاءات الطاغية، وصوت نزعاته التدميريّة لا غير.

كان صوت المعركة السكّين التي يشحذها الطغاة لطعن شعوبهم بالأكاذيب، وأصبح سلاح أمراء الحروب في معاركهم التي يجهدون فيها لترسيخ العداوات وتجذير الأحقاد. وهو الذي كان يفترض أن يكون صرخة للناس ضدّ الاحتلال، فأصبح الصوت الذي يوظّف لإلهائهم عن أحوالهم، والتواطؤ الذي تمارسه الأنظمة مع أعداء البلاد على أبناء البلاد.

تستعين الأطراف المتعاركة بهذا الشعار، وكأنّها تستعير الفعل من بعضها بعضا، وكلّ طرف يضخّم الوهم لدى أتباعه الذين يتلقّفون ادّعاءاته على أنّها الحقّ من وجهة نظرهم، ويكون بذلك صوت القتل، وصدى العنف وصور الدماء والدمار.

يجمع تعبير صوت المعركة بين الجانب الإعلاميّ والتجاريّ والتعبويّ. وتتمّ من خلاله التعبئة للتحشيد والدفع إلى التخلّي عن الانشغالات والاهتمامات والمشاريع وتسخيرها للمعركة المستعرة، بحيث يتمّ تعطيل كلّ شيء في انتظار الانتصار الموعود، وأثناء ذلك يتمّ التغافل عن بناء الإنسان، فيتبدّد الراهن والمستقبل، من خلال تبديد القوّة الحقيقيّة لأيّ تقدّم، القوّة المتمثّلة بالإنسان كثروة عظمى.

تثبت الوقائع أنّه إن لم ترتفع كلّ الأصوات في مواجهة صوت المعركة، لتعلن أنّ “صوت المعركة” هو كذبة كبرى ينبغي فضحها وتعرية أصحابها، لن يتمكّن الإنسان من تحقيق ذاته وعيش حياته، ولن تكتمل معركته من أجل حياة حرّة كريمة، وهي حياة تليق باسمها، بعيدا عن مزاعم الطغاة في مخادعة الشعوب وتضليلها عن أحلامها.

كاتب من سوريا

15