صوت الموسيقى.. فيلم أعاد للسينما نهاياتها السعيدة

فيلم "صوت الموسيقى" أضاف مسحة من السحر والكثير من الجاذبية، وإنْ تعارض تماما مع تيار السينما الواقعية، الذي ظهر في إيطاليا مع نهاية الحرب العالمية الثانية.
السبت 2019/09/07
تكريم جديد بعنوان "إنجاز العمر" يؤكد أن العمل مازال في الذاكرة

فيلم أثار الكثير من الجدل والخلاف بين النقاد، فقد وصفه بعضهم بالفيلم التجاري. فالمنتج، حسب رأيهم، ينافق الجمهور ويستجدي عواطفه ومشاعره. وقالوا إن مخرج الفيلم فقد الحكمة والنباهة عندما قرر تقديمه للسينما، في عصر سادت فيه الواقعية الإيطالية. ولكن فيلم “صوت الموسيقى” حقق نجاحا كبيرا، وأثبت أن المخرج عرف ماذا يريد، بإعادته للسينما فكرة النهاية السعيدة وانتصار الخير على الشر. من منا يتذكّر اليوم أفلام رائد الواقعية الإيطالية، روبرتو روسيليني، حفنة من المثقفين المتابعين لتاريخ السينما وتطورها، بينما على العكس من ذلك، لا يزال، فيلم “صوت الموسيقى”، مسموعا في آذاننا ومحفوظا في ذاكرتنا، مثله في ذلك مثل حكايات سندريلا وسنووايت وألف ليلة وليلة. اليوم، وبعد خمسة عقود ونصف، يجمع النقاد على تكريم بطلة الفيلم، جولي آندروز، وهي في عامها الثالث والثمانين، لتقول إنها كانت محظوظة عندما اختارها المنتج لتؤدي دور البطولة في الفيلم.

 ما شعورك وأنت تتوّج بعد 55 عاما من العطاء؟ حالة من الرضا، وفرح مشوب بالحزن، كيف مرت السنين على سيدة الأفلام الغنائية جولي آندروز. هل يمكن لمن شاهد فيلم “صوت الموسيقى” في الستينات أن ينسى فتاة ملصق الفيلم الإعلاني، ليس لجمالها، وإن كانت حقا جميلة، إلا أن الحيوية هي سرّ جاذبيتها.

شاهدت الفيلم في نفس العام الذي أنتج فيه، كنت طفلا محظوظا في الثانية عشرة، لم أفقد بعد القدرة على الدهشة وعلى الانبهار، وفعلا أبهرني وأدهشني، من لقطة الافتتاح التي كشفت عن مشاهد طبيعية لجبال الآلب الساحرة التي تخلب الألباب، إلى لحظة ظهور بطلة الفيلم الفجائي.. رشيقة هيفاء، هكذا كانت. ظهورها لم يعكّر صفاء المشهد الطبيعي، بدت وكأنها جزء منه، حتى صوتها وهي تغني بدا هو الآخر عنصرا من عناصر الطبيعة.

أتساءل بعد 53 عاما لو أني شاهدت الفيلم اليوم، هل كان ليسحرني كما سحرني في الطفولة؟ بالتأكيد كنت محظوظا، مثل بطلة الفيلم جولي التي أكدت وسط تصفيق جمهور احتشد لحظة تكريمها ومنحها جائزة الأسد الذهبي لإنجاز العمر في الدورة 76 لمهرجان فينيسيا السينمائي الدولي. قبّلتْ الجائزة وقالت إنها تعدّ نفسها “محظوظة” لهذا المشوار الطويل الذي قضته في حياتها المهنية في فن السينما. وما زالت تتعجّب من حقيقة أنها كانت الفتاة المحظوظة التي طُلب منها أداء هذه الأدوار الرائعة.

وطوال تلك العقود ظلت جولي آندروز، بملامح وجهها وصوتها المميّز، نجمة مفضلة حاضرة في أذهان أجيال متعاقبة، أحبّها الصغار والكبار، بل إن البعض أحبّها في طفولته، أيام تألقها في ستينات القرن الماضي، ورافقها نجمة كبيرة في أدوراها التمثيلية المختلفة في العقود اللاحقة.

أفلام رائعة لا تموت، وأدوار رائعة تنتمي للزمن الجميل، هي شهادة على عصر الرومانسية قبل أن تجهز عليه التكنولوجيا ووسائل الاتصالات الذكية. كنت محظوظا، لأني مثل الشعراء المخضرمين كنت شاهدا على عصرين.

ولدت جولي آندروز، التي تجاوزت الثالثة والثمانين من عمرها، في مقاطعة ويلز البريطانية، في الأول من أكتوبر 1935، عملت في المسرح الغنائي الاستعراضي في برودواي بنيويورك، منذ أن كانت في التاسعة عشرة من عمرها، محققة نجاحا كبيرا لفت أنظار النقاد.

حكاية تبث الدفء في عالم تكنولوجي أصبح باردا
حكاية تبث الدفء في عالم تكنولوجي أصبح باردا

لم تكن طفولتها سعيدة، بسبب طلاق والديها ثم زواج أمها من مغن كان يؤدي في الصالات، يدعى إدوارد آندروز، وهو الذي أخذت اسمها عنه، رغم أنها لم تكن تحبّه، بل كتبت في مذكراتها أنه كان مدمنا للخمر، انتقل الإدمان منه إلى أمها، مما أصابها بالإحباط والاكتئاب.

بدأت جولي الغناء عندما كانت في الثامنة، خلال الحرب العالمية الثانية. كانت تغني داخل الملاجئ، حيث يحتمي السكان من الغارات الألمانية. ولفت صوتها القوي انتباه أمها، التي عرضتها على طبيب لقياس قوة أحبالها الصوتية، ليجد أنها تتفوق على الكثير من البالغين.

عندما بلغت الثانية عشرة غنّت في نفس الأماكن التي كانت أمّها تعزف فيها، إلى أن أسند إليها دور في مسرحية غنائية على مسرح “هيبودروم” في لندن، ثم قامت بالدور الرئيسي في مسرحية “سندريلا” معتمدة الأداء الحركي الصامت.

لفت أداؤها نظر مخرجة مسرحية “العشيق” التي انتقلت بالمسرحية إلى نيويورك، وأسندت بطولتها إلى جولي، لتبدأ رحلة صعود وتألق، استمرت أكثر من ستين عاما. فازت خلالها بجائزة أوسكار وجائزة الغولدن غلوب، عن أدائها الاستثنائي في فيلم “ماري بوبينز” عام 1965، ورشحت لجائزة أفضل ممثلة في العام التالي عن دور المربّية ماريا فون تراب في صوت الموسيقى “ساوند أوف ميوزيك”.

رحلتها مع الإبداع لم تنقطع رغم تقدمها في العمر، فبعد حصولها لقب “ليدي” (سيدة)، الذي أسبغته عليها ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية، عادت إلى الشاشة من خلال فيلم “مذكرات أميرة” عام 2001. وأعارت صوتها للعديد من الأفلام.

دعونا الآن من جولي آندروز، لنتحدث عن “صوت الموسيقى”، عن فيلم أثبت أنه لا يموت.

لنبدأ بالقصة؛ ماريا فتاة شابة تنبض حيوية وحبّا للموسيقى والطبيعة، جنوحها للخيال لا يعادله سوى رفضها الخضوع للقواعد والضوابط والنواهي.

شخصية كل ما فيها يثير مخاوف راهبات دير نونبيرغ الذي تقطنه في مقاطعة سالسبورغ النمساوية في أحضان جبال الآلب. العام هو 1938، على بعد عام واحد من الحرب العالمية الثانية، التي ستشكل أحداثها خلفية للقصة.

أجمعت الراهبات على أن روحا متمردة، مثل روح ماريا، يستحيل أن تعيش خلف جدران دير كالح متقشف، وأن مكانها هو أحضان الطبيعة بعيدا عنهم. اتخذ القرار بالإجماع، لترسل ماريا إلى منزل، جورج فون تراب، وهو ضابط بحري متقاعد، لتكون مربية لأطفاله السبعة.

حياة التقاعد، لم تنس جورج الانضباط العسكري الصارم، الذي يطبّقه على أطفاله بعد وفاة زوجته. ومثل كل القصص التي تنسج على هذا المنوال، أساء الأطفال التصرّف في البداية مع ماريا، رافضين الانصياع لتوجيهاتها أو أن تكون لها سلطة عليهم، إلا أن ماريا تواجه صدّهم باللطف والصبر والحنان، وسرعان ما تكسب ثقتهم واحترامهم، لتصبح مخزن أسرارهم الطفولية.

تواجد جورج في فيينا يقدم لماريا فرصة سانحة، تخرج بالأطفال خارج أسوار المنزل، تتجول بهم في سالسبورغ والجبال المحيطة بها، بعد أن استبدلت ملابسهم ذات الطابع العسكري الذي يفرضها عليهم والدهم، بملابس مشرقة صمّمتها ونفذتها بنفسها. معها اكتشفوا طفولتهم وتعلموا كيف يعيشونها، وتعلموا حب الموسيقى والغناء.

يعود جورج من سفرته، وبرفقته بارونة حسناء من أسرة ثرية تدعى، السا شريدر، وصديق مشترك يعمل وكيل أعمال موسيقيين، يدعى ماكس ديتويلر. وتصادف لحظة دخول المنزل برفقة ضيفيه، دخول ماريا مرفوقة بالأطفال، عائدين من مغامرة نهرية، انقلب خلالها القارب الذي يستقلونه.

يا للفظاعة، هيئة أطفاله بثيابهم المبلّلة تحرج الرجل العسكري الصارم، ليندفع مؤنبا ماريا، مستغنيا عن خدماتها، طالبا منها الخروج من المنزل.

حصل الفيلم على جائزتي غولدن غلوب، لأفضل فيلم سينمائي وأفضل ممثلة، وجائزة المخرجين لنقابة أميركا عن الإنجاز المتميز، وجائزة نقابة الكتاب الأميركية لأفضل فيلم موسيقي أميركي مكتوب
حصل الفيلم على جائزتي غولدن غلوب، لأفضل فيلم سينمائي وأفضل ممثلة، وجائزة المخرجين لنقابة أميركا عن الإنجاز المتميز، وجائزة نقابة الكتاب الأميركية لأفضل فيلم موسيقي أميركي مكتوب

في هذه اللحظة، وعلى طريقة حكايا السندريلا، تسمع أصوات غناء تتسرب من غرفة في المنزل، صوت أطفاله يغنون للبارونة. يتتبع جورج، مبهوتا، مصدر الصوت، ويدخل مترددا. لتحدث النقلة المفاجئة، بعد سنين من الصرامة، يصحو الطفل داخل الرجل العسكري، يشارك أطفاله غناءهم، طالبا من ماريا الصفح والبقاء في المنزل، معتذرا عن خشونته.

كما هي كل الحكايا التي تنسج على طراز سندريلا، يحدث انجذاب عاطفي بين جورج وماريا، رغم خطوبة جورج المعلنة إلى البارونة السا، التي تعمل جاهدة لإقناع ماريا بالانسحاب والعودة إلى الدير.

مهزومة وكاتمة مشاعر الحب، تغادر “سندريلا”، إلا أن ذلك لم يبدّل من مشاعر “الأمير”، الذي يفسخ خطوبته من البارونة ويعيد محبوبته إلى المنزل ليتزوج منها.

وفي اللحظة التي نظن فيها أن القصة انتهت، تبدأ من جديد.

يتدخل القدر، وتندلع أحداث الحرب العالمية الثانية، بينما الأمير والسندريلا في شهر عسل. لتتوالى الأحداث، ويرفض جورج التعاون مع النازيين، الذين يطاردونه. يهرب برفقة ماريا والأطفال يلجأون إلى الدير للاختباء، وخلفهم كلاب النازيين.

بمساعدة من الراهبات، ومن رجل أمن متعاطف معهم، تهرب العائلة، تشق طريقها مشيا على الأقدام عبر جبال الآلب باتجاه سويسرا.

انتهت الحدوتة، فماذا عن الفيلم؟

الفيلم دراما موسيقية إنتاج عام 1965، للمخرج والمنتج الأميركي، روبرت وايز، يشارك جولي آندروز البطولة فيه، كريستوفر بلامر. مزج الفيلم، باقتدار، بين الواقع والخيال، وقدم لغة سينمائية تذكر في كل كلمة بحكايا الجدات، قصة الأمير ومحبوبته الفقيرة. فهل أساء الواقع للخيال، أم دعمه؟

مؤكد أنه أضاف مسحة من السحر والكثير من الجاذبية، وإنْ تعارض تماما مع تيار السينما الواقعية، الذي ظهر في إيطاليا مع نهاية الحرب العالمية الثانية.

من إيطاليا انتشر تيار الواقعية في أوروبا والعالم، وشق لنفسه طريقا خاصا يعكس الظروف الاقتصادية والاجتماعية السائدة بعد الحرب العالمية الثانية. كان أشبه بوثيقة تاريخية تشكل جزءا كبيرا من الذاكرة الأوروبية. خرجت معه عدسات الكاميرا إلى الشارع، وإلى المغمورين، حوّلتهم إلى أبطال مختلفين عن صورة البطل النمطية، أبطال ينتمون إلى الطبقات الدنيا.

يعتبر روبرتو روسيليني رائد تيار الواقعية في السينما، شكل فيلمه “روما مدينة مفتوحة” منعرجا في تاريخ السينما الإيطالية بل والعالمية، لتقضي السينما الواقعية الجديدة على جوهر السينما السائد حينها “فكرة انتصار الخير على الشر”.

في مثل تلك الأجواء ظهر “صوت الموسيقى”، ليحيي فكرة “الخير والشر” من جديد. حينها تساءل النقاد: هل فقد وايز الحكمة ليغامر بإنتاج فيلم مثل هذا؟

تم عرض الفيلم في 2 مارس 1965 في الولايات المتحدة، في البداية ضمن عرض محدود. وعلى الرغم من تلقي النقاد المتردد للفيلم وآرائهم المختلطة، إلا أن الفيلم حقق نجاحا تجاريا كبيرا، ليحتل الترتيب الأول في شباك التذاكر، بعد أربعة أسابيع من العرض، ويصبح الفيلم الأكثر ربحا في عام 1965. وبحلول نوفمبر 1966، احتل الفيلم المرتبة الأولى في الدخل، ليس فقط في ذلك العام، بل على مدى تاريخ صناعة السينما حينها، متجاوزا دخل فيلم “ذهب مع الريح”.

Thumbnail

استطاع “صوت الموسيقى” أن يحافظ على هذا الترتيب طيلة خمس سنوات، لينال شهرة واسعة، ليس فقط في الولايات المتحدة، بل عبر العالم، محطما أرقام شباك التذاكر المسجلة في 29 بلدا.

وحصد الفيلم على خمس جوائز أكاديمية، بما في ذلك أفضل فيلم وأفضل مخرج. حصل الفيلم أيضا على جائزتي غولدن غلوب، لأفضل فيلم سينمائي وأفضل ممثلة، وجائزة المخرجين نقابة أميركا عن الإنجاز المتميّز، وجائزة نقابة الكتاب الأميركية لأفضل فيلم موسيقي أميركي مكتوب.

وفي عام 1998 صنّف معهد السينما الأميركية (AFI) فيلم “صوت الموسيقى” في المركز 55 ضمن أفضل الأفلام الأميركية. ونال المركز الرابع كأفضل فيلم موسيقي. وفي عام 2001، اختارته مكتبة الكونغرس في الولايات المتحدة من بين الأفلام التي سيتم حفظها في السجل الوطني للأفلام، واصفة إياه بالفيلم المهم “ثقافيا وتاريخيا وجماليا”.

لقد أثبت وايز أن الحكمة لم تخنه عندما اختار القصة ليعيد إعدادها وتقديمها كفيلم سينمائي. وكانت القصة قد قدمت كعرض مسرحي موسيقي عام 1959، حمل الاسم نفسه، ووضع الألحان، ريتشارد رودجرز، من كلمات، أوسكار هامرستين الثاني. وكتب سيناريو الفيلم إرنست ليمان، مقتبسا عن كتاب المسرح الموسيقي ليندساي وكراوس. بناء على مذكرات قصة مغني عائلة تراب لماريا فون تراب.

بعد عشرين عاما أو أكثر من هذا التاريخ، يرحل جميع من عمل في الفيلم، وجميع من شاهد عروضه الأولى، ولكن الفيلم يبقى وثيقة وشهادة تقول لأجيال الذكاء الاصطناعي: هكذا عاش الناس قبل مئة عام.

بالنسبة لتلك الأجيال، ستكون حياتنا وتفاصيلها مشروع حكاية هي الأخرى، ولكن حكاية أكثر درامية من صوت الموسيقى، حكاية جيل مخضرم، عاش على تخوم الأحداث التي رافقت عائلة تراب. يتذكر الطرق المرصوفة بالحجارة، والطرق الترابية، وعربات الخيل. جيل عاش جل حياته يركب السيارات والطائرات، درس على ضوء الشموع وضوء المصابيح. ثم قبل أن يأفل نجمه ويرحل شهد أطرافا مما يخبئه زمن الإنترنت والذكاء الاصطناعي للقادمين الجدد.

أليس من حقنا أن نقول إننا، نحن جيل عصر صوت الموسيقى وذهب مع الريح، محظوظون. سنرحل ونحن على يقين تام بأن عصرنا لن يمّحى من ذاكرة البشرية، وأن فيلما أثار من البهجة ما أثاره فيلم “صوت الموسيقى”، لن يمّحى هو الآخر من الذاكرة.

للمزيد:

 

16