صوت حركة القطارات يصدح من جديد في سوريا

سوريا تستعد لإصلاح حوالي 1800 كيلومتر من أصل كامل خط السكك الحديدية في البلاد والبالغ طوله 2450 كيلومترا، بعد أن وقع تخريبها في الأحداث الأخيرة.
الاثنين 2018/09/10
المحطات تتجدد لسفر أفضل
 

عرف العالم القطارات منذ عهد الثورة الصناعية، ورغم أنّ الهدف الأساسي من صناعتها في المراحل الأولى كان لنقل البضائع سرعان ما ظهرت أهميتها لنقل المسافرين، فتنامى الطلب على وسيلة النقل الجديدة وتسابقت الدول إلى مدّ السكك الحديدية في أراضيها والتوسع في استخدام القطار. وقد عرفت البلدان العربية ومنها سوريا القطارات منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، لكن هذه الخطوط تعرضت عبر التاريخ إلى الكثير من الأضرار،  ونظرا لأهميتها الاقتصادية تستعد شركة السكك الحديدية السورية لإعادة إصلاحها لتنطلق القطارات مجددا رابطةً بين الحدود.

دمشق- بعد طول انتظار، يجلس أبوعبدو بحماس خلف مقود قاطرة لينطلق في أول جولة تجريبية لاختبار السكك الحديدية في جنوب دمشق بعد تأهيلها، إيذانا بإعادة العمل في قطارات العاصمة المتوقفة منذ سنوات النزاع الأولى.

ومع تحول حركة الاحتجاجات في سوريا إلى نزاع مسلح في عام 2012 وتوسع دائرة المعارك وامتدادها إلى غالبية المناطق السورية، توقفت خطوط السكك الحديدية التي كانت تربط بين كافة المحافظات السورية عن العمل. وأعيد تشغيل بعضها تدريجيا خصوصا في المناطق الأكثر أمناً.

يقوم أبوعبدو (42 عاماً) بزيه الأزرق الموحد لعمال السكك الحديدية، بتنظيف الزجاج أمامه في انتظار الضوء الأخضر من المهندس المسؤول عن عمليات التأهيل للانطلاق. وفور حصوله على الضوء الأخضر يباشر رحلته الأولى. يقول بفرح “أنتظر هذا اليوم منذ ست سنوات”. بعد توقف السكك الحديدية في دمشق، جرى نقل أبوعبدو إلى العمل في مديرية النقل، لكنه لم يستمتع بوظيفته الجديدة.

ويوضح “لم يكن لدي عمل واضح في مديرية النقل وقد اعتدت العمل مع القطارات (…) الآن فقط أشعر وكأننا عدنا إلى فترة ما قبل الحرب”. وتوقف العمل في محطة القدم الأساسية مع وصول المعارك إلى حي القدم في جنوب العاصمة وسيطرة الفصائل المعارضة ثم تنظيم الدولة الإسلامية عليه.

وسرّعت وزارة النقل عمليات تأهيل السكك بين محطة القدم ومدينة المعارض في ضاحية دمشق الجنوبية، لاستخدامها في عملية نقل المواطنين إلى معرض دمشق الدولي الذي تم افتتاحه السبت في مدينة المعارض على أطراف دمشق. ويتم يوميا تسيير 28 رحلة قطار إلى المعرض، وفق ما أوردته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).

منذ اندلاعه في عام 2011، تسبب النزاع في سوريا بدمار هائل في البنى التحتية من شبكات مياه وكهرباء ومدارس ومستشفيات، كما ألحق أضرارا بالغة بمرافق ومنشآت عامة خصوصاً في المناطق التي شهدت معارك طاحنة. وقدرت الأمم المتحدة كلفة الدمار بنحو 400 مليار دولار.

وتهدف الحكومة السورية إلى إصلاح حوالي 1800 كيلومتر من أصل كامل خط السكك الحديدية في البلاد والبالغ طوله 2450 كيلومتراً، وفق المكتب الإعلامي لوزارة النقل. وتعمل السكك الحديدية حاليا بشكل أساسي في المنطقة الساحلية، بين اللاذقية وطرطوس، التي بقيت بمنأى نسبيا عن النزاع في سوريا. كما أعيد العمل بها في مدينة حلب وصولا إلى ضاحية جبرين القريبة منها.

وأعدّت وزارة النقل السورية خطة تتضمن إعادة تأهيل السكك بين دمشق وحمص من جهة، وحمص وحلب من جهة ثانية، فضلاً عن إعادة وصل الساحل السوري بدير الزور في أقصى شرق البلاد. ومن مكتبه في دمشق، يوضح وزير النقل علي حمود قائلا “سيكون للسكك الحديدية الدور الأساسي في مرحلة إعادة الإعمار، كونها تنقل البضائع بأحجام كبيرة، وبسرعة كبيرة وكلفة أقل”. وقال إن “1800 كم ضمن شبكة السكك  في سوريا، تعرضت للتدمير بشكل شبه كامل من أصل 2450 كم”.

وكان القطار من أول وسائط النقل الآلية التي دخلت سوريا في أواخر القرن التاسع عشر في إطار خط الحجاز الحديدي الذي وصل إلى المدينة المنورة واستمر في العمل ما يقرب من تسع سنوات استفاد من خلالها الحجاج والتجار، ثم تعرضت هذه السكك إلى الكثير من الأضرار خلال الثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين.

ينظر حمود إلى خارطة أمامه، ويشير إلى الحدود التركية شمالا والأردنية جنوبا، ويقول “الخطة هي وصل الموانئ السوريّة بدول الجوار”، مضيفا “نحن نافذة الخليج والأردن والعراق على البحر المتوسّط (…) سنُعيد وصل الحدود بالحدود”.

في إحدى محطات القدم المؤدية إلى مدينة المعارض جنوب دمشق انهمك عمال قبل أيام في وضع اللمسات الأخيرة على السكك الحديدية بإشراف من مدير الخطوط الحديدية في العاصمة رضوان تكريتي. ويقول تكريتي (58 عاما) وقد لفّ رأسه بقطعة قماش تقيه حرارة الشمس، “باتت مرحلة إعادة الإعمار على الأبواب، ونحن نسابق الزمن لكي نُعيد تأهيل السكك الحديدية التي سُرقت أجزاء منها، وتخربت أجزاء أخرى بفعل الحرب”. ويضيف “كلنا شوق لسماع صوت حركة القطارات يصدح من جديد هنا وهناك”.

يعمل تكريتي في هذا القطاع منذ ثلاثين عاماً، هو الذي نزح من حي القدم الدمشقي في بداية العام 2013 بعدما وصلت المعارك إليه. ويقول “لديّ حلم بأن أعود إلى منزلي وتعود محطة القدم إلى سابق عهدها، لتصل بين كل المحافظات السورية (…) ولنساهم في إيصال كافة المواد اللازمة لإعادة الإعمار إلى كل المناطق التي طالها الدمار”. ويضيف “نعمل على إعادة وصل المدن السورية ببعضها البعض”.

20