صوت داعش في بيوتنا

الأربعاء 2015/09/09

يقول التونسيون إن صوت داعش وصل إلى مناطق من جنوب بلادهم، متمثلا في راديو “البيان” الذي يحيل مستمعيه إلى أجواء وشعارات دولة البغدادي، حيث الخطب العصماء والشعارات المضرجة بالدماء والتحريض على إسقاط النظام باسم الخلافة في ديار الإسلام.

في أغسطس 2014 كان تنظيم داعش أطلق بث إذاعة “البيان” في الموصل العراقية، بعد ستة أشهر من إطلاق إذاعة “البيان” في الرقة السورية، وفي مارس الماضي أطلق إذاعة “البيان” في سرت الليبية والإذاعات عموما لا تحتاج إلى تكاليف مالية كبيرة، ولا إلى مقرّ فخم، ويمكن أن تبث برامجها من شقة صغيرة أو من غرفة يتيمة في مزرعة معزولة، أو حتى من سيارة متنقلة، أو من مركب في البحر.

وفي ظل الفوضى في أي بلد يمكن لأي طرف أن يطلق إذاعة يقول فيها ما يشاء ويتهم فيها من يشاء بما يشاء، ويدعو فيها من يشاء إلى ما يشاء، ويصوّر فيها ما يشاء كما يشاء، دون أن يحتاج إلى مال كثير ولا إلى تقنيين وإعلاميين، ولا إلى ترخيص حكومي أو عقود إعلانية.

وقد يكون من الغريب فعلا أن شركة صينية أعلنت في العام الماضي عن إطلاق طاولة صغيرة تحمل فوقها معدات بث إذاعة على موجة “إف أم”، يمكن أن تصل من يطلبها على عنوانه مباشرة، بمقابل مالي لا يتجاوز 150 دولارا أميركيا، منها 100 دولار ثمن الإذاعة و50 دولارا مقابل رسوم النقل.

البعض يقول إن إذاعة كهذه قد لا يتجاوز مجال التقاطها عشرة كيلومترات أو أكثر بقليل، وهذا صحيح، ولكن الشركة ذاتها يمكن أن تقدم لك جهاز بث إذاعي متكامل بألف دولار لتغطي مجال 50 كيلومترا فأكثر، أما عشرة آلاف دولار، فتجعلك تنافس إذاعة الدولة بإذاعتك الخاصة، وهو ما يعني أن المرحلة القادمة ليست مرحلة الدفاع عن بلد ما وإنما عن البلد الذي يليه، لأن الانفلات في أي بلد سيجعل الدول المجاورة هدفا لكل ما يصدر عنه من أصوات تدعو إلى الفوضى في ظل توفر التقنيات المساعدة على الخراب بأسعار في متناول الجميع.

إن وصول بث راديو الدواعش إلى جنوب تونس ليس حالة استثنائية، ولكن ما لا يمكن فهمه هو طبيعة حالة الاستغراب التي أبداها البعض، فالإرهاب لا ينام، وهو مطّلع على تقنيات العصر، وقادر على استخدامها والتعامل معها بكفاءة عالية، ووراء الإرهاب قوى لا تمده فقط بالمال والعتاد، وإنما كذلك بالأفكار والبرامج.

قبل أشهر قليلة، خرج علينا من بين الفاعلين السياسيين في تونس من يقول إن منظومة فجر ليبيا هي الدرع الواقي لتونس، ولكن يبدو أن الدرع مثقوب مما مكّن صوت داعش من الولوج منه وعبور الحدود دون الحاجة إلى جواز سفر، أو مرور على بوابات الأمن والجمارك.

والجماعات الإرهابية لا شك أنها تشكر بعض ساسة تونس على حسن ظنهم بميليشيات فجر ليبيا، فذلك يساعدها على التمكن في الأرض، وعلى تحويل مساحات شاسعة من البر والبحر إلى فضاءات لإطلاق دعوات الفوضى والانفلات، وللأسف فإن الجدار العازل الذي أعلنت الحكومة التونسية عن بدء إنشائه قد يمنع تسلل المسلحين أو تهريب السلاح ولكنه لا يمنع البث الإذاعي من العبور، فالأصوات مهما كانت نشازا، تبقى لها ذبذبات تخترق بها الفضاء البعيد.

24