صوت فيروز إشارة لانفتاح ثقافي واجتماعي لا يتوقف في السعودية

معرض الرياض الدولي للكتاب يحتفي بالفنون ويلجم الشرطة الدينية، والاحتفاء بالتراث الفني يعد رد اعتبار لهذا المجال الإنساني.
الأربعاء 2019/03/20
حضور هام للمرأة في معرض الرياض

تميزت السعودية بتيارات فنية هامة وطاقات إبداعية قدمت الكثير للثقافة العربية سواء في الأدب أو الموسيقى أو التشكيل وغيرها من الفنون، لكن انتشار التيارات الدينية المتشددة كظاهرة طارئة على المجتمع كتم أنفاس الفن السعودي لعقود، وهو ما تحرر منه السعوديون مؤخرا بدعم سياسي هام، بدأت مظاهره في التبلور بمعرض الرياض للكتاب ورد الاعتبار للفن والانفتاح على العالم الذي لا مجال فيه اليوم لأي انغلاق خاصة مع انتشار الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل الرقمية وثورة التكنولوجيا الحديثة.

الرياض - خلال معرض الرياض للكتاب السنوي، والذي يشرف موسمه الحالي على الانتهاء، عُقدت العديد من الندوات عن الفن، وفي مقدمتها عن التراث الغنائي والموسيقي في السعودية، هذا التراث الذي كان في العقود القليلة الماضية لا يُسمع إلا في الجلسات الخاصة جدا، يُعزف ويُقدم بين الجدران، وكان أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يحومون لمطاردة المؤدين والسامعين، على أنها جلسات إفساد في الأرض، على خلاف ما كان في عقد الستينات وحتى نهاية السبعينات، حيث ظهر فنانون في شتى المجالات.

رد الاعتبار للفن

التضييق على الفن، بشتى صنوفه، كان سمة بارزة، حتى أنه سمي بسنوات جهيمان، الذي انتهى كشخص، ولكنه ظل سائدا كمنزع متشدد يعادي الفن، ومن هنا حصلت الصحوة على شرعيتها وقوتها في داخل المجتمع. غير أن الاحتفاء بالتراث الفني يُعد بمثابة رد الاعتبار لهذا المجال الإنساني، فقد سُمح للمطاعم والمقاهي أن تبث الموسيقى والأغاني للزبائن، من دون أن يقتحمها أصحاب الثياب القصيرة واللحى والعصي المميزة، فكثيرا ما وقفوا يتظاهرون أمام قاعات ندوات موسم الجنادرية الثقافي، ويكون الخضوع لإرادتهم فتحجب الأماسي الفنية.

مَن لا يعرف ما كان يحصل في تلك الأيام، سواء كان في المعرض أو عند اقتحام الصالات، التي تعزف فيها الموسيقى، سيرى أن اعتبار صدح الموسيقى والحفلات الغنائية العربية والأجنبية في المدن السعودية، وفي مقدمتها جدة والرياض، نقلة مهمة نحو الأمام، مبالغا فيها، لكن الحقيقة لا تتعلق بالموسيقى والغناء إنما تتعلق برفع سطوة الصحوة الدينية عن كاهل المجتمع، وهو أمر ليس باليسير بالنسبة إلى قوة التيار الديني التقليدي والسياسي أيضا.

صدح الموسيقى والحفلات العربية والأجنبية في المدن السعودية، وفي مقدمتها جدة والرياض، نقلة مهمة نحو الأمام

فقد حصل تصادم في ثقافة المجتمع خاصة مع الجيل الجديد، والذي فتح أعينه على وسائل التواصل الاجتماعي، والتقارب بين الحضارات وحياة الاختلاط العالمية، فلم تعد الموسيقى المكسيكية أو البرازيلية مثلا بعيدة عن أي قرية في أقصى العالم. ولهذا جاءت القرارات الأخيرة والتي فتحت على المجتمع السعودي أبواب الفن العربي والعالمي، كما صار الاهتمام بالآثار القديمة من الأولويات التي تتبناها الدولة في أعلى مستوياتها.

من الواضح أن الأمر صار مختلفا، بالنسبة إلى المواطن السعودي، فقد تُركت له الحرية، في سماع الغناء والموسيقى أو الإشاحة عنهما، لكن ليس هناك شرطة دينية تُحاسب الناس على ما تراه أعينهم وتسمعه آذانهم. كان صوت فيروز صادحا في حدائق بعض المطاعم صباحا، بلا استنكار من رجل الدين أو المتطوع

لمحاسبة الناس على سلوكهم، والنساء صرن يدخلن المقاهي والمطاعم بلا وجل ولا خوف، والمرأة تقود سيارتها بكل ثقة، دون مضايقات، فمثلا في إمارة نجران فقط تقدمت أكثر من سبعين ألف امرأة للحصول على إجازة قيادة السيارة، هذا ما أعلنته الصحف السعودية، في هذه الإمارة أو غيرها، والعدد في الرياض أكثر بطبيعة الحال.

الانفتاح الاجتماعي

رد الاعتبار للفن والانفتاح على العالم
رد الاعتبار للفن والانفتاح على العالم 

إن سماع الموسيقى وصباحيات فيروز، بصوت مسموع، وتكريم الفنانين، وعرض الحفلات الغنائية عبر وسائل الإعلام الرسمية، في الرياض وبقية المدن السعودية لها “شكل ثان”، فمن العادة إن الانتقال من التشدد إلى الانفتاح الاجتماعي، مثلما هو الحال في السعودية غير الانتقال من الانفتاح الاجتماعي إلى التشدد مثلما هو الحال في إيران والسودان وأفغانستان، فالأخير يُحسب بحاسب السقوط في براثن التطرف والتخلف، وهو يُقاد من قبل الإسلام السياسي في تلك البلدان.

هناك من يعتبر أن الإقبال على معرض الكتاب في هذا العام أقل من الأعوام السابقة، مع كثرة رواد المعرض، خاصة مع إنشاء فقرات للترفيه الذي أُقرّ رسميا، ففي السابق وعلى الرغم من وجود المطاوعة وشراستهم ضد النساء والشباب، إلا أن الازدحام كان سمة بارزة في المعرض، حيث شبّه بعض الكُتاب الوقوف أمام دور الكتب بزحمة الوقوف أمام المخابز في مواسم المجاعات.

على ما يبدو إن الانطلاق نحو الانفتاح الاجتماعي والثقافي لا يتوقف في السعودية، وإن كل ما يُحذر منه رجال الصحوة المتشددون ظهر بالكاشف أنه لا أساس له من الصحة على أرض الواقع.

 فلا قيادة المرأة للسيارة أفسدت المجتمع، ولا الاختلاط ترك الشباب بلا واعز أخلاقي، ولا الموسيقى وصوت فيروز فيهما هتك للدين، مثلما كانوا يبثونه في خطبهم من منابر المساجد ووسائل الاتصال الاجتماعي، ولا الآثار القديمة قد عُبِدت.

14