صورة إسرائيل في مرايا الربيع العربي

السبت 2013/11/16
كيالي: التسوية ضدّ فلسفة إسرائيل

ضمن سلسلة أوراق بحثية التي يصدرها مركز الأبحاث الفلسطيني، صدر في يونيو- حزيران من العام الجاري، كتاب "تحوّلات إسرائيل في عالم متغيّر" للكاتب ماجد كيالي الذي بدأ كتابه بنقد الخطاب الأيديولوجي والشعاراتي، الذي يفسر قوة إسرائيل وتفوقها، بدعم الغرب لها، متجاهلا عوامل القوة الذاتية لهذه الدولة. ويشير الكاتب، إلى أن خطابا كهذا إنما يهدف إلى طمس حقيقة الواقع العربي البائس. فإذا كانت إسرائيل، قد استثمرت في الضعف العربي، فإن الأنظمة العربية قد استغلت وجود إسرائيل للتهرب من استحقاقات الديمقراطية والتنمية. الأمر الذي يؤشر بوضوح إلى وجود نوع من التواطؤ بين هذه الأنظمة وإسرائيل.

اجتهد ماجد كيالي في كتابه "تحوّلات إسرائيل في عالم متغيّر" كل طاقاته لتقديم رؤية موضوعية لدولة إسرائيل، وما طرأ عليها من تغيرات خلال 65 عاما من نشوئها. شارحا خلفيات الموقف الإسرائيلي من التسوية، ومحللا العلاقة المركبة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، مبينا موقف هذه الأخيرة من الثورات العربية والأثر المحتمل لهذه الثورات على إسرائيل.


أزمة إسرائيل


بفعل ضغوط عوامل التغيّر ومسارات التغيير، وفي الوقت الذي يؤكد الكاتب على حقيقة كون إسرائيل دولة مصطنعة واستيطانية وعنصرية، وكونها تستمد جزءا مهما من قوتها، من دعم الغرب لها عموما، والولايات المتحدة خصوصا، فإنه لا ينفي حقيقة تفوق إسرائيل الاقتصادي والسياسي والعسكري على العالم العربي.

تخشى إسرائيل حراك الشعوب العربية وبناء الديمقراطية، لا سيما في مصر وسوريا، لأن ذلك سيؤدّي إلى تعريتها كدولة عنصرية

وأن أحد أهم عوامل قوّة إسرائيل يتعلق بعوامل ذاتية ترتبط بطبيعة نظامها السياسي الديمقراطي الذي مكنها من تحقيق الاستقرار الداخلي، والتوحّد في مواجهة الاستحقاقات الإستراتيجية، وإدارة مواردها البشرية بكفاءة عالية، وإنجاز قفزات نوعية في مجال الصناعة والتكنولوجية العالية، والتعليم والبحوث العلمية؛ الأمر الذي انعكس إيجابا على الحياة المعيشية ومتوسط دخل الفرد.

مع ذلك، يؤكد الكاتب أن تميز إسرائيل، لا يلغي حقيقة ما تعانيه من أزمات داخلية وخارجية، ومن قلق وجودي بفعل بنيتها وهويتها وطبيعتها العنصرية الاستيطانية، وكذلك من الصراعات بين مكوناتها المجتمعية، والمتغيرات الإقليمية والدولية. وافتقادها للأمن نتيجة عوامل عديدة منها، حروبها المستمرة، ومقاومة الفلسطينيين وتمسكهم بأرضهم، والتحوّلات الديمغرافية التي تميل لصالحهم.


تسوية متخيَّلة


يميز كيالي بين السلام، الذي ترفضه إسرائيل، والذي يستند إلى مفاهيم الحق والعدل، والذي يقوم بين أطراف متساوية، ويهدف للوصول إلى حل نهائي ومستقر للصراعات، وبين التسوية، التي تتعامل معها إسرائيل، والتي تنطلق من موازين قوى غير متكافئة، وتهدف إلى فرض سياسة الأمر الواقع، وإدارة الصراع وتخفيف حدّتة، وحله حلا مؤقتا. ويرى الكاتب أن دوافع إسرائيل للتسوية عديدة منها، خارجية تتعلق بموقف أميركا والمجتمع الدولي المؤيد لهكذا تسوية، وداخلية لها علاقة بالصراع مع الفلسطينيين. فما يشغل بال إسرائيل اليوم هما مسألتان: عدم تشويه صورتها الدولية، والخطر الديمغرافي الذي يشكله الفلسطينيون.

مع ذلك، فإن هذه التسوية لم تتحقق إلى حدّ الآن. ولتفسير ذلك، يرى الكاتب أن عدم نضج هذه الأخيرة من الداخل، والصراعات أو التباينات بين مكوناتها السياسية، هي من الأسباب التي تفسر فشل التسوية. فهذه الأخيرة، تتناقض مع الأسس التي قامت عليها إسرائيل. وسوف تنعكس على طبيعتها وبنيتها ووجودها ومستقبلها كدولة صهيونية لليهود. كما أن موازين القوى القائمة اليوم، تميل بقوة لصالح إسرائيل. فالجبهات هادئة، والعرب والفلسطينيون، في أضعف حالاتهم.

لذلك، تجد إسرائيل نفسها غير مضطرة للقيام بالتسوية في الظروف الراهنة. وعليه يخلص الكاتب للقول "فهذه الدولة لم تنضج بعد من النواحي المجتمعية والسياسية والثقافية للتحول من دولة وظيفية بذاتها إلى دولة طبيعية لذاتها". وفي مقابل التسوية المتخيلة والمطروحة، والتي لن تؤدي إلى تحقيق السلام، يدعو الكاتب إلى تبني حل الدولة الواحدة الديمقراطية.

وهو حل يتنافى مع التفكير العنصري، ويبتعد عن العودة للماضي وينحاز للمستقبل، ولمفاهيم الديمقراطية والعدالة والمواطنة، ويحافظ على وحدة الجغرافيا.

الكتاب يقدّم إضافة مهمة للبحوث المتعلقة بالشأن الإسرائيلي


دولة وظيفية


تحت عنوان "الولايات المتحدة وإسرائيل" يتطرق الكاتب إلى العلاقة بين هاتين الدولتين. رافضا وجهة النظر القائلة بأن إسرائيل مجرد أداة بيد أميركا، ووجهة النظر الأخرى، التي تقول بأن إسرائيل هي التي ترسم السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. مبينا أن تفسير هذه العلاقة يرتبط بعوامل عديدة، منها التشابه في ظروف النشأة بين الدولتين، واستغلال إسرائيل لمسألة الهولوكوست، ومحاولة إسرائيل تكريس فكرة أنها جزء من الغرب. ويبين الكاتب أن محددات السياسة الأميركية في الشرق الأوسط اليوم هي: إدارة الأزمة وعدم حلها، والانكفاء عن المنطقة بسبب تراجع أهميتها، وعدم الاكتراث بالعرب بسبب ضعفهم، والانحياز لإسرائيل. ويخلص الكاتب إلى أن العلاقة بين الدولتين هي علاقة عضوية ومركبة. ففي لحظات السلم والهدوء، وحيث لا تعارض بين مصالح الدولتين تتوسع هوامش إسرائيل، ويكون القرار لها.

لكن هذه الهوامش تضيق، والقرار الإسرائيلي يتراجع، لصالح أميركا في اللحظات الحساسة والإستراتيجية والمواقف المصيرية وعند تعارض المصالح بينهما. في الفصل الرابع المعنون بـــ"الثورات العربية وتأثيراتها"، وفي الوقت الذي يشير الكاتب إلى أن إسرائيل سوف تتأثر بثورات الربيع العربي، إلا أنه يتحاشى تقديم إجابات نهائية عن نوعية هذا التأثر واتجاهاته لأن الأمور لم تستقرّ بعد.

مبينا أن إسرائيل تحاول استثمار ما يحصل من أجل التأكيد على أنها الأكثر استقرارا والأكثر ديمقراطية، ومن أجل استعطاف الغرب للوقوف إلى جانبها لمواجهة المخاطر. وأنها ستستغل انشغال العالم من أجل التهرب من استحقاقات التسوية.

لكنها في الوقت نفسه، تخشى من سقوط الأنظمة المستبدة، والتي لم تكن في حالة عداء معها. كما تخشى حراك الشعوب العربية وبناء الديمقراطية، لا سيما في مصر وسوريا. لأن ذلك سيؤدّي إلى تعريتها كدولة عنصرية، ويكشف زيف ادعائها بأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة. وبالتالي فإن التغيّرات في المنطقة والعالم، ربما تجبرها على تغيير مواقفها الراهنة.

هنا، ربما كان مفيدا تسليط الضوء على الثورة السورية، وموقف إسرائيل منها؛ ومعرفة ما إذا كان لها دور واضح أو مخفي، في عرقلة هذه الثورة، وتأخير انتصارها؟ من جانب آخر، يبدو أن الأمور في المنطقة تتجه، وبمباركة قوى عربية وإقليمية ودولية، لإجهاض ثورات الربيع العربي. الأمر الذي يصبّ في مصلحة إسرائيل. ونظن، أن سيطرة الإسلاميين على الحكم في معظم ثورات الربيع العربي، قد جاء لمصلحة إسرائيل. أما إطاحة الجيش في الثلاثين من يونيو بحكم الإخوان المسلمين في مصر، فربما يعزز ادعاءات إسرائيل، بأن ظروف الديمقراطية في البلدان العربية لم تنضج بعد.

يبقى القول، إن كتاب الأستاذ ماجد كيالي، وما تضمنه من رؤية موضوعية مدعمة بالكثير من الشواهد، يقدّم إضافة مهمة للبحوث والدراسات المتعلقة بالشأن الإسرائيلي.

16