صورة الجرح تحجب رائحته: عن سوريا أتكلم

الاثنين 2013/11/11

ساءت علاقتي بالتلفاز لدرجة أني نادراً ما عُدتُ أشاهده. حين أكون وحيداً بالبيت أكتفي بسماع ما يجود به المذياع من أنغام، وأمّا إذا صادفت عزفاً على آلة العود عراقياً أو نبطياً أو موشحاً حلبياً أو طرباً غرناطياً، فذاك أعزّ مرادي. يسألني بعض أفراد العائلة، كيف أكتب عن أحداث نادراً ما أشاهدها على الفضائيات؟ فأذكر لهم أحياناً أحد شعارات انتفاضة مايو 1968: «أغلق التلفاز وافتح عينيك»، والمقصود أن على الإنسان أن لا يتسمّر أمام صور التلفاز إلى حد التبلّد، بل ينظر إلى الواقع ويستعمل عقله ويفكر. ربّما هذا ما أحاول فعله، إذ غالباً ما أفتح عينيّ بدل أن أفتح التلفاز.

الألم السّوري، ما عدتُ أتابعه على التلفاز، على الأقل منذ أدركت حجم الهوّة الفاصلة بين الصورة والإنسان؛ فصورة الفاجعة لا تعكس حجم الوجع: رائحة الجرح المتعفن، جراحة الشرايين في كوخ مهجور، تهريب الأدوية تحت قصف الطائرات، تقاسم كسرة خبز مع الجيران في منتصف الليل، جثة قد تصحو فجأة داخل برّاد الأموات لترسم بالدم بقعاً وخطوطا جديدة، معتقلون في إحدى الزنازين يدهسون ديداناً ساقطة من جروح سجين يحتضر، قبو للاستنطاق والتعذيب في حجرة مدرسة ابتدائية، وفي الحجرة المجاورة يردد التلاميذ النّشيد الوطني، شابّ ينجو من الموت مرّتين بعد إصابته برصاص الجنود، وفي المرّة الثالثة يذبحه سكين مجاهد من الوريد إلى الوريد.. وأخيراً مأساة المساومات الدّولية على الدّم السوري.

لكن.. للصّورة محور ضيق، مركز محدّد، زاوية نظر معيّنة. هنا لا مكان للزوايا المنفرجة؛ فزاوايا النظر لا تكون إلاّ حادة، أقل من تسعين درجة محصورة بين ضلعين حديديين يضيقان بمقدار وينفرجان بمقدار. المسألة لا علاقة لها بالنوايا والخلفيات طالما أنّ الصورة تفرض منطقها بذاتها. نعم، الصورة قد تكشف وتعري وتفضح، لكنها بقدر ما تسلّط الضوء على نقطة معينة فإنها تترك للعتمة مساحتها الكبرى. الصورة مجرّد تسوية فنية بين نقطة الضوء ومساحة العتمة.

منطق الصورة التلفزيونية هو منطق الفرجة المضللة- الضلال هنا ليس بالمعنى الأخلاقي- حيث يسوق البطل سيارته في مطاردة مجنونة تخترق الطرقات طولا وعرضا. لا أحد يكترث بمصائر من تدهسهم السيارات عن طريق الخطأ. لا أحد يكترث بالموت العرضي لأبطال الأدوار التكميلية خارج الزاوية الحادة للتصوير. نعم، أعرف هذا، هناك طرائق عجيبة للتّخفيف من وخز الضمير حين تُطرح الأسئلة حول الضحايا المنسيين. مثلا، عندما يدهس القطار الجامح عشرات الأكواخ ويفتك بعشرات الأرواح لكنّه ينجح في أن يتوقّف على مسافة أقل من شبر من طفل يحبو. فهذا ممّا يشفع له، ثم يزول القلق عن مصائر سائر الضحايا. كذلك الحال حين تجرى عملية جراحية ناجحة لفتاة باكستانية اسمها ملالا على سبيل المثال، فتعود إلى وجهها بسمة الحياة، ويتخفف العالم من تبعات الشعور بالذنب.

يحق لنا أن نرتاب من الصورة؛ فإن صورة الجرح تحجب التفاصيل الأشدّ إيلاماً وتتركها في مناطق الظل خارج الإدراك، إنّها في الأول والأخير تحجب رائحة العفن. لذلك، يتراءى لي أن لا أحد يخشى أن يتعفّن الجرح السوري؛ فإنّ الصورة وحدها لن تقول شيئاً.


كاتب مغربي

9