صورة الفنان ميتا

الأحد 2015/03/29

كيف للشاعر أن يطلّ على الغيب في القصيدة؟ وكيف له أن يدخل الحجرة البيضاء، فيرى”قنّاص قلب الذئب” بأجراسه وقيافته، من دون حجاب؟ وكيف له أن يرى موته وهو يحدق فيه بعينه الزجاج، تحت ظلال السروة العتيقة، قرب برج الساعة التي لا تكفّ عن الدوران؟

تخطيط: ساي سرحان

قلّة من الشعراء شاهدوا تفاصيل موتهم في القصيدة، ثيسار بايّيخو الشاعر البيروفيّ، واحد من هؤلاء، كان صاحب “قصائد إنسانيّة”، و”أعظم شاعر كونيّ منذ دانتي”، في السادسة والأربعين حين مات وحيدا ومعدما في شارع بباريس، ذات خميس ماطر، في الخامس عشر من أبريل سنة 1938، مثلما تنبّأ في قصيدته الشهيرة، “حجر أسود يستلقي على حجر أبيض”، تماما: “سأموت في باريس، ذات يوم ماطر،/ في يوم أذكره للتوّ./ سأموت في باريس -ولن أتنحّى جانبا-/ ربّما في يوم خميس في الشتاء، فاليوم هو الخميس/”. مذّاك، وخميس القصيدة يتربّص بالشاعر، حتّى ظفر به؛ خميس الأسرار والآلام، خميس الغسل، وخميس السكارى، وخميس الصعود. الخميس الذي سوف يكون في جوقة الشاهدين على موته؛ شهود لا نعرفهم إلّا في نهاية القصيدة: العزلة وعظام ساعديه والمطر والشوارع. خميس لا ينفر الشاعر من الموت فيه، ولا يهرب منه، بل هو في انتظار أن يجيء، كي يذهب إلى أبعد من الزنابق، وأبعد من تكّة الزمن السحيقة في مقام الغياب. ولم يكن الحجر الأسود، في عنوان القصيدة، إلّا بايّيخو نفسه. كان قد لبس معطفه الأسود في ذلك اليوم، ثم طفر إلى الشوارع يجوبها، مصغيا إلى نفسه، وإلى هسيس الكأس التي رفعها ذات آلام، في صحّة الذين ناموا بالمطارح التي شفّها العصيّ على النسيان. ولمّا هدّه التعب، وجد نفسه ملقاة على حجر الموت الأبيض، تخطّ تلك الأبيات. كأنه يريد لنفسه الدوّارة في محاجر الألم أن تكون حجرا؛ حجر الشاعر الجاهليّ، تميم بن مقبل، الذي “تنبو الحوادث عنه وهو ملموم”.

وثمّة شاعر آخر تنبأ بالشهر الذي سوف يموت فيه. إنه الشاعر النيجيري أوستن نجوكو. كان صاحب “روائح الفجر” قد حدس، في قصائده، وهو يرثي والدته، بأنه سوف يموت في شهر أغسطس، بعد غيبة الشمس، فكان له ما كان. “سأرحل كالشمس/ دابّا في الليل!”، كتب نجوكو في “ليل في لاغوس”، فمات عشيّة جمعة الثامن من أغسطس، بذات المرض الذي أصاب بايّيخو، الملاريا، وفي نحو العمر الذي مات فيه، ووحيدا بلا ضجيج، كما أراد كذلك أيضا.

وكان مارك توين، “أبو الأدب الأميركي”، حسب وليام فوكنر، قد تنبّأ بتاريخ موته المحدّد. يسرد كتاب “مارك توين: سيرة” أنّ أعظم ساخري زمانه، وصاحب أعظم رواية أميركية، كان قد ذكر في العام 1909 أنّه جاء إلى الحياة مع المذنب هالي في العام 1835. وأنّ هذا المذنب سوف يعود ثانية في العام التالي، متوقّعا أن يرحل معه. وسوف تكون خيبة أمل عظيمة، بالنسبة إليه، إن لم يرحل معه. فقد أوحى الله إليه بذلك. ولقد صدقت نبوءة توين، فمات بنوبة قلبية في 21 إبريل 1910، بعد 24 ساعة من بلوغ المذنب هالي الأرض على نحو لم يسبق له مثيل من قبل.

فإذا كان بايّيخو ونجوكو قد وصلا إلى لحظة الكشف الفريدة، تلك، عبر درب الآلام التي مشيا فيها طويلا وحيدين، لا تشهد عليهما سوى العزلة، فلا بدّ لواحد كمارك توين أن يكون قد بلغها بالسخريّة اللاذعة وهتك أستار كل شيء.

شاعر ومترجم من الأردن

11