صورة المتطرفين وثعلب لافونتين

الخميس 2014/10/23

كثيرة هي مشاهد الرّعب الجهادي التي يتمّ بثّها ثم يعاد بثّها مرّات ومرّات في الفضائيات وعبر اليوتوب، ربّما غايتها، على الأرجح، المساهمة في تنفير النّاس من مظاهر العنف الديني وتعبئتهم ضدّ قوى الإرهاب والتطرّف، وهذا مقصد نبيل بلا شك.

غير أنّ الجهل بالأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية للمتلقي أثناء انتقاء الصور قد يقود إلى نتائج عكسية، تماما مثلما يحدث لكثير من الأطفال حين ينصتون إلى حكاية “الثعلب والغراب” التي ألفها لافونتين، فينتهي بهم المطاف عكسيا إلى تقمّص دور شخصية الثعلب باعتباره “البطل” في الحكاية، حتى ولو كان شريرا، وذلك بدل رفضه والنّفور منه. الهدف التّربوي المنتظر من قصة لافونتين هو أن لا نترك للثعالب فرصة تحقيق أهدافها الماكرة، غير أنّ الهدف المتحقق قد يكون عكس ذلك في بعض الأحيان: لكي لا تكون ضحيّة الغراب، كن أنت الثعلب. نخشى بأنّ أمرا كهذا يتكرر الآن.

حين تكون الصورة المبثوثة على النحو التالي: ينجح أحد الإرهابيين في التسلل إلى نقطة تفتيش، ثم يفرغ رشّاشه في أجساد الكثيرين، وعلى وقع أزيز الرّصاص تعلو الترانيم الجهادية، وقبل القبض عليه يفجر جسده بالحزام الناسف، ويُرفَق دويّ الانفجار بصيحات التكبير، فيسقط عشرات القتلى والجرحى، وتتحطم واجهات المباني، ويُذكر الخبر في معظم نشرات الأخبار، فإنّ المقصود الإعلامي من البث المتكرر للشريط قد يكون تنفير الناس من السلوك الإرهابي الذي يهدد أرواحهم وأشياءهم، غير أنّ الهدف المتحقق قد يكون عكسيا لا سيما بالنسبة للاشخاص الذين يفتقدون أصلا الشعور بالأمن، وهم كثيرون، ويميلون من ثمة إلى التماهي مع “أبطال الرّعب”.

ألا يتعاطف معظم المراهقين مع البطل الشرير في السينما لمجرّد أن يكون هو البطل في الحكاية، بمعنى هو صانع الحدث؟! الصورة الإعلامية رسالة مركبة قد تقول ما لا تقصد قوله، لا سيما إذا كان هناك جهلٌ إعلامي مريب بالخصائص الثقافية والنفسية للمتلقي.

على ضوء نظرية “ثعلب لافونتين” بوسعنا أن نتساءل حول الآثار العكسية الممكنة لبعض الصور الإرهابية التي يعاد بثها على الفضائيات مرات ومرات، لا سيما وأن الدوائر الإرهابية نفسها هي من تتحكم في صناعة معظم أشرطة الرعب المبثوتة. هكذا، قد تترك بعض الوصلات المناهضة للإرهابيين أثرا عكسيا في نفوس كثير من المراهقين، وذلك على طريقة ثعلب لافونتين. وبه وجب التنويه.

24