صورة المرأة القوية في أفلام الأوسكار

هوليوود تعيد الاعتبار إلى المرأة، وإلى دور الممثلة في خضم موجة الكشف عن التحرشات والانتهاكات التي تتعرض لها المرأة العاملة في السينما والحياة بشكل عام.
الأحد 2018/03/18
من فيلم "ثلاث لوحات إعلانية خارج إيبنغ ميسوري"

كانت الظاهرة اللافتة للنظر في الأفلام التسعة التي رشحت لجائزة أحسن فيلم، وهي الجائزة الأهم من بين جوائز الأكاديمية الأميركية، متمثلة في ذلك الحضور البارز للمرأة الممثلة وللمرأة القوية داخل الأفلام بوجه خاص، حتى بدا كما لو كانت هوليوود تعيد الاعتبار إلى المرأة، وإلى دور الممثلة (الأنثى) في خضم موجة الكشف عن التحرشات والانتهاكات التي تتعرض لها المرأة العاملة في هوليوود وفي السينما والحياة بشكل عام.
ومن بين الأفلام التسعة كانت هناك خمسة أفلام برز فيها دور المرأة القوية، المتمردة، المهيمنة، التي تقود وتدفع العلاقة مع الرجل، تتحدى المؤسسة بشكل أو آخر، تخالف السائد وتعلن تحديها للمجتمع، كما برز أيضا دور الممثلة على حساب الممثل في بعض الأفلام أو على الأقل بالتوازي معه.
وقد تمثل هذا كأفضل ما يكون أولا في فيلم “ثلاث لوحات إعلانية خارج إيبنغ ميسوري” Three Billboards outside Epping Missouri للمخرج مارتن ماكدوناه. هذا الفيلم الذي ذاع صيته منذ عرضه العالمي الأول في مهرجان فينيسيا السينمائي في خريف العام الماضي، تقوم فيه الممثلة فرانسيس ماكدورماند بدور أم اختفت ابنتها الوحيدة الشابة ثم عثر عليها بعد ذلك مقتولة بعد أن تم اغتصابها. 
ولكن الشرطة عجزت عن العثور على القتلة رغم مرور أشهر عدة. هذه الأم العنيدة تضع ثلاث لوحات خارج المدينة تحمل سخرية من عجز الشرطة عن إحقاق الحق والقبض على القتلة مما أثار حنق مدير الشرطة المحلية “وليم” الذي يقوم بدوره ببراعة الممثل وودي هارلسون.

العنف المضاد

من ناحية يبدو وليم ضحية فهو يمر بالمراحل الأخيرة من مرض السرطان، وربما يودع الحياة في أي لحظة. لكنه في الوقت نفسه يشعر بنوع من التضامن مع هذه الأم المكلومة غير أنه ليس بوسعه أن يفعل أكثر مما فعل مع مساعديه، كما لا يملك إلا أن يطمئنها بأنهم لا شك سيقبضون على القتلة، غير أنه يريدها أيضا أن تتوقف عن حملتها هذه.
يندفع مساعده الضابط الأحمق “ديسكون”، الذي يعيش في كنف أمه ويخضع لها خضوع الإبل، ليشعل النار في اللوحات الثلاث العملاقة. ديسكون يميل بطبعه إلى العنف المجنون، وهو يمارس عنصريته بشكل يثير غضب الجميع في البلدة، وتكون النتيجة أن يفقد وظيفته ويتعلم الدرس. 

من بين الأفلام التسعة كانت هناك خمسة أفلام برز فيها دور المرأة القوية، المتمردة، المهيمنة، التي تقود وتدفع العلاقة مع الرجل، تتحدى المؤسسة بشكل أو آخر، تخالف السائد وتعلن تحديها للمجتمع

لكن حنق هذه المرأة القوية العنيدة التي ترفض الخضوع لتهديدات الشرطة يصل إلى ذروته عندما ترد على العنصرية بالعنف، وتحرق قسم الشرطة بالقنابل الحارقة التي أصيب على إثرها ديكسون بحروق. إنه تعبير مباشر عن الرفض والتمرد والغضب والعنف المضاد لعنف الشرطة. ورغم كل هذا العنف إلا أن الفيلم مصور في سياق الكوميديا السوداء التي تميل إلى المبالغات والكاريكاتورية في رسم ملامح الشخصيات والتعليقات الساخرة. 
وكان من المثير للدهشة أن يتماهى الجمهور الأميركي مع شخصية الأم رغم عنادها وإصرارها على تحدي الشرطة، الأمر الذي يعكس شعورا بالغضب العام لدى الرأي العام الأميركي تجاه عنف الشرطة وعنصريتها في ضوء ما ارتكبت من اعتداءات وتجاوزات بحق الكثير من الأفراد الذين ينتمون إلى الأميركيين من أصول أفريقية.
بلغت ميزانية الفيلم 15 مليون دولار وحقق أرباحا تصل إلى ما يقرب من 115 مليون دولار حتى الآن. وقد رشح إلى جانب جائزة أحسن فيلم، لجائزة أحسن ممثلة (فازت بها بالفعل فرانسيس مكدورماند) وأحسن ممثل ثانوي (حصل عليها سام روكويل عن دور الضابط المتطرف ديسكون)، وجائزة أحسن سيناريو وأحسن موسيقى أصلية وأحسن مونتاج، وترشيح آخر لأحسن ممثل ثانوي لوودي هارلسون.

المرأة الأسطورية

في فيلم “ذا بوست” The Post تقوم الممثلة المخضرمة ميريل ستريب بدور الناشرة الأسطورية لصحيفة “ذا واشنطن بوست” وصاحبة المؤسسة المسؤولة عن إصدار الصحيفة، وهي السيدة كاثرين غراهام التي ورثت الصحيفة عن زوجها بعد انتحاره، وأصبحت المسؤولة أمام المساهمين والمموّلين. وقد وجدت السيدة كاثرين نفسها في عام 1971 أمام اختبار صعب قد يعرض المؤسسة بأسرها للانهيار.
 فقد تمكن رئيس تحرير الصحيفة بن برادلي (الذي يقوم بدوره توم هانكس) من الحصول عبر فريقه المغامر على الآلاف من الوثائق من أرشيف وزارة الدفاع الأميركية، تفضح الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ نهاية الحرب العالمية، وتكشف موقفها الحقيقي من فيتنام الذي يتناقض مع التصريحات الرسمية المعلنة، وبالأخص دور وزير الدفاع الأسبق روبرت ماكنامارا. 
كاثرين تخشى عواقب نشر المزيد ممّا جاء في الوثائق، خاصة وأنها ترتبط بعلاقة صداقة خاصة مع ماكنامارا وتخشى أن يلحق نشر الوثائق أضرارا بسمعته، لكنها تقرر بعد فترة من التردد، أن تقامر بقلب الطاولة على “المؤسسة” الأميركية في البيت الأبيض (في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون) وتنحاز لحرية الصحافة ومبدأ كشف الحقيقة مهما كانت العواقب. إنها نموذج آخر لامرأة قررت في لحظة اختيار وجودي أن تتحدى المؤسسة، ضاربة عرض الحائط برأي المستشارين القانونيين للمؤسسة وتحفظات بتهديدات كبار المساهمين فيها.

العاملة البكماء مع زميلتها في فيلم "شكل الماء"
العاملة البكماء مع زميلتها في فيلم "شكل الماء"

حقق هذا الفيلم نجاحا كبيرا في السوق وحصد حتى الآن 136 مليون دولار (تكلف إنتاجه 50 مليون دولار) ورشحت ميريل ستريب للمرة الحادية والعشرين لأوسكار أحسن ممثلة عن دورها هذا، كما رشح لجائزة أحسن فيلم.

ليدي بيرد

في فيلم “ليدي بيرد” Lady Bird تقوم الممثلة الأيرلندية الشابة الصاعدة بقوة سواريس رونان بدور فتاة مراهقة هي كريستين، ترفض اسمها وتمنح نفسها اسما آخر هو “ليدي بيرد”، تتمرد على حياتها العادية المملة تحت قيادة والدتها التي تعمل ممرضة وتقبل العمل الإضافي مضطرة لتغطية تكاليف الحياة بعد أن فقد زوجها عمله، تريد لابنتها تعليما يصل بها إلى مهنة مماثلة أو ربما أفضل قليلا، لكن ليدي بيرد التي تعيش في أحلامها الخاصة، عاجزة عن التواصل مع أمها، تشعر بالتعاطف مع والدها عديم الحيلة، ترغب في ترك هذه الولاية والبلدة (سكارامانتو) والتوجه شرقا إلى نيويورك حيث “توجد الثقافة” حسب قولها.
إننا نرى تمردها المفاجئ على “تعاليم وأخلاقيات” المدرسة الكاثوليكية التي تدرس فيها.. انفجاراتها المقصودة التي تمتلئ بالشتائم القبيحة.. علاقاتها المتوترة مع زميلاتها باستثناء واحدة فقط ترتبط بها، طموحها للتمثيل وللغناء دون تميز خاص، مشاركتها في المسرح المدرسي. لكنها لا تبدو كائنا طيّعا رومانسيا رغم أحلامها الرومانسية الخاصة.. وهي تملك التعبير عن رفضها لما يملى عليها بأقصى ما يمكنها، ففي المشهد الأول نراها في اشتباك لفظي مع أمها وهي تجلس بجوارها بينما تقود الأم السيارة، وفجأة عندما تبلغ المناقشة قمة حدتها، تفتح باب السيارة وتلقي بنفسها إلى الخارج.
إننا أمام مخرجة وكاتبة سيناريو بارعة هي غريتا غيرويغ، تعرف كيف تصور نضج فتاة مراهقة لم تكن تريد أصلا أن تكبر، فتظل طويلا تعاند قوانين الحياة، تتصرف كما لو كانت طفلة، ترفض واقعها وترفض الانصياع لوصايا أمها التي لا تستطيع أن تعبر لها عن حبها كما ينبغي، تقيم علاقات فاشلة مع الجنس الآخر تريد أن تقودها وتتحكم فيها لكنها سرعان ما تصاب بالسأم، تنعزل وتنغلق على مكنونات نفسها، لكن حلمها بالتحرر يظل يدفعها حتى النهاية.
هذا فيلم مؤثر مصنوع ببراعة لا شك فيها، رغم أن موضوعه ليس جديدا، لكنه يمتلك خصوصيته دون شك، مما لا يمكن إغفاله من علاقات وتفاصيل تتعلق بالسيرة الشخصية للمخرجة التي تنتمي إلى نفس البلدة، ولا بد أنها أيضا عاشت ظروفا مماثلة قبل أن تحرر نفسها منها وتصبح على ما أصبحت عليه الآن.

أمير البحر

في فيلم “شكل الماء” للمخرج المكسيكي غوليرمو ديل تورو، الذي رشح لـ13 جائزة حصل على 4 جوائز أهمها بالطبع جائزة أحسن فيلم، تقوم البريطانية سالي هوكنز بدور عاملة نظافة بكماء تعمل في أحد المعامل التي تجرى فيها التجارب السرية على الكائنات البحرية في عصر الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. هذه المرأة التي تبدو عديمة الحيلة، محدودة الذكاء، تتوهج عاطفيا فتقيم علاقة رومانسية مع كائن بحري غريب يبدو مخيفا في هيئته يدعونه “أمير البحر”، وهو مزيج من الإنسان والوحش المائي.

بطلة فيلم "خيط وهمي" على خلفية صورة دانيال دي لويس
بطلة فيلم {خيط وهمي} على خلفية صورة دانيال دي لويس

 هذا الكائن المتوحش الذي يصدر أصواتا مرعبة وتبرز عيناه بشكل مخيف، يتحول على يدي “إليزا” إلى كتلة من المشاعر الرقيقة، فالفيلم يريد أن يقول لنا إن الحب يمكن أن يقع بين كائنات متناقضة في تكوينها البيولوجي، وأنها رغم هذه الاختلافات أو التناقضات إلا أنها تمتلك مشاعر “إنسانية” رقيقة مرهفة، ومن الممكن أن تحب وتتألم وتسعى لإنقاذ الحبيب أو الحبيبة، مهما بدا أنها “متوحشة” أو غير قابلة للترويض.
“أمير البحر” الذي أسروه وأتوا به من البحار البعيدة لإجراء التجارب القاسية عليه ولما فشلوا أرادوا التخلص منه بقتله، يبدو أكثر رقة وتعاطفا مع إليزا من البشر، خاصة في ضوء ما مرت به من عذاب في طفولتها.
وهي تعلن بوضوح التمرد على القيود المرفوضة على وجودها داخل هذا المكان السري الغامض الذي يرتبط بصلة بأجهزة الاستخبارات، فتقوم بمساعدة زميلة لها، بتهريب ذلك الكائن وإنقاذه من مصيره المأساوي، حتى لو كان معنى ذلك أن تفقد عملها. إنها تلك القوة التي تكمن في الضعف الظاهري، كما أنها قوة الحب عندما يدفع الإنسان إلى التمرد على كل ما يحيط به من قيود.

الخيط الوهمي

في فيلم “خيط وهمي” Phantom Thread للمخرج بول توماس أندرسون هناك امرأة هي “ألما”، غالبا بلجيكية تنتمي للطبقة العاملة، جاءت إلى بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وهي تعمل ساقية في حانة في بلدة بريطانية ريفية. يلتقي بها ويقع في حبها مصمم أزياء إنكليزي شهير مرموق ينتمي للطبقة الأرستقراطية في بريطانيا في خمسينات القرن العشرين، فيصحبها لتقيم معه في منزله ومع شقيقته أتي التي تدير أعماله، يميل إليها لكنه متردد في الارتباط بها.
 تعاني ألما طوال الوقت من شعورها بكونها أدنى، لكنها ترفض الخضوع للقمع الطبقي الذي يمارس عليها، يدفعها شعورها بالتهديد ورغبتها في التمرد على تلك الطبقة المغرورة وتلقينها درسا، إلى أن تقرر الاستحواذ والسيطرة الكاملة على هذا الرجل بطريقتها الخاصة مهما بالغت في حيلتها الشيطانية الخطرة. 
إنه يحبها لكنه يرفضها، يتشبث بها فقط عندما يكون ضعيفا، ولكنه يبعدها ويريد استبعادها من حياته عندما يسيطر عليه جنون العمل الذي يدمنه، وبعد أن يخضع تماما لوحي الإبداع. فهو يستلهم ويخلو إلى نفسه، لا يطيق أن يوجد أحد بجواره. لكن ألما تتمكن من التوصل إلى الطريقة التي ترى أنها تكفل لها السيطرة، ليس فقط على الرجل الذي تحبه فعلا بجنون، لكنها تتمكن أيضا من تحقيق انتصارها الطبقي من دون إراقة دماء.
هذا الفيلم يبدو كما لو كان ينتمي إلى الأفلام الكلاسيكية البريطانية المميزة بتصويره الذي يتميز برونقه واهتمامه الكبير بتصميم الديكور (فاز بجائزة الأوسكار لأحسن ديكور) وموسيقاه التي تخلق جوا يشوبه الغموض والسحر، لكن المفارقة أنه لا يستند إلى عمل أدبي كما يبدو، بل هو من تأليف مخرجه الأميركي بول توماس أندرسون (صاحب فيلم “سيكون هناك دم”) في أول فيلم بريطاني يخرجه، وآخر فيلم يقوم ببطولته الممثل البريطاني المعتزل دانيال دي لويس الذي رشح عن دوره فيه للأوسكار لكن الجائزة ذهبت إلى غاري أولدمان عن “أحلك الساعات”.

15