صورة المرأة بين ظلين ووهج

السبت 2015/07/11

للتأصيل النّظري المفهومي والواقعي العملي، في آن معا، لمفهوم الهويّة الإنسانية التي يقف الرجل والمرأة على ضفتي نهرها المتقابلتين والمتداخلتين في سياق تفاعل ثريّ تنسرب مساراته عبر انسيابية الماء الجوهري الواحد الذي ينداح عليهما فيكسبهما الجوهر نفسه، أن يمكّن النساء، مثلما له أن يمكّن كل إنسان، من جعل الاقتناع بالحريات الأساسية وحقوق الإنسان، وضمنها وفي ترابط وثيق معها حقوق المرأة، مبدأً راسخا في الوعي الإنساني الحرّ، اليقظ، المنفتح على التجدد الدائم.

وإلى ذلك، فإنّ لإدراك حقيقة أنّه ليس للنساء أن يتمكن، أو لمناصري قضية المرأة من الرّجال أن يتمكنوا، من إحراز أي تقدم في هذه القضية إلا باستعادة الحقوق اللُّغوية والثَّقافية التي جردت المرأة منها، وحرمت من التمتع بها وممارستها على امتداد تاريخ طويل، وإلا بذهاب المرأة نفسها نحو انتزاع حقها في ممارسة دورها اللُّغوي والثَّقافي وإعادة رسم صورتها، بنفسها، في اللُّغة وفي الثقافة، أن يدفع المرأة والرّجل إلى الانخراط الجاد في العمل معا من أجل تمكين المرأة من تحقيق حضورها الفاعل في حاضر اللغة والثقافة، وفي توجيه مستقبلهما صوب مسارات تعزز هذا الحضور وترسخه.

وإن كان لهذا العمل أن يحقق غايته، فليس له إلا أن يتأسس على التعمق في قراءة التّراث اللّغوي والثّقافي قراءة نقدية صارمة في سعيها إلى تحليله بعمق يكشف مؤسساته وترابطات علاقاته الداخلية وامتداداته الزمانية والمكانية على نحو يستجلي بنيته إذ يفككها، ويتبين سياقه الاجتماعي التاريخي إذ يتتبع لحظة انبثاقه، ويتابع مساراته الماضوية وطرق انتقاله إلى الحاضر والأساليب والوسائل التي يجري إعمالها لتأبيد حضوره في هذا الحاضر وفتح السبل أمام تمدده في رحاب المستقبل، ويحدد الوظائف الظاهرة أو الخفية التي ينهض بها هذا التّراث الكهفي المتكلس إذ يكتشفها ويكشف عنها.

حين نتابع العمل على إنجاز ما تقدّم بانين على ما أنجز من قبل، يكون السعي لإعادة رسم صورة المرأة في الوعي العربي والإسلامي والإنساني عموما قد انطلق مسكونا بمنظور إنساني مستقبلي لا ينطوي على أي نوع من التمييز بين هويّة الرّجل وهويّة المرأة وإنما يدركهما بوصفهما وجهين متطابقين لهويّة جوهرية واحدة هي هويّة الإنسان.

لقد كان لهيمنة التراث الظلامي على وعي النّاس على مدار القرون حتى يومنا هذا، أن يشكل حائطا تستند إليه أنظمة الاستبداد والقهر ذات الإيديولوجيات التخييلية الظلامية المؤسسة على استعادة تأويلات زائفة لعناصر ومكونات تراثية تجاوزها ماضي الحياة ويتأبى حاضرها عليها، في تسويغ استبدادها وتأبيده. وكان لهذا الحائط التّراثي البائس أن يتحوّل، في سياقات عديدة، إلى “تكيّة” ترتسم في ظلّ ظلّها صورة المرأة العربية المسلمة المتكئة على حوائطها باحثة لنفسها، أو مبحوثا لها من قبل أهلها ومجتمعها، عن ظلّ آخر تستند إلى حوائطه وتقبع في ظلاّله، هو ظلّ الرّجل الذي يمنحها حق الوجود في الوجود، ويتيح لها فرصة أن تصير أما تنسب، إن هي أنجبت ذكرا، إلى وليدها الذّكر، فتصير هي “أم فلان”، أو “زوجة فلان”، ويظل اسمها مغفلا، أو ممنوعا من التداول، حتى ينساه النّاس، وتنساه هي.

هكذا تابعت المرأة رحلة حياتها على مدار قرون مديدة وهي تراوح على نحو دائم بين ظلّين، ظل حائط التراث الكهفي المتكلس الذي سلبها حقوقها وجوهر هويّتها الإنسانية، وظل الرّجل الذي أمعن، باسم هذا التّراث الذي يسكنه مزيفا وعيه، في سلبها تلك الحقوق وذلك الجوهر!

فهل نتابع الخطو الحثيث، والنضال الشاق، المرير والنبيل في آن معا، في تعميق القراءة النقدية التنويرية الصارمة لهذا التراث بغية تمكين أنفسنا، كرّجال، من التخلص من الوعي الزائف الذي احتجز تطور هويّاتنا الإنسانية وحال دون وصولنا، بها ومعها وفي سياق شراكة راسخة مع النساء، إلى كمال إنساني ممكن؟

وهل نتابع، معا، ذلك الجهد المثابر الذي يستهدف هدم ما ينبغي هدمه، وتعديل ما ينبغي تعديله، والبناء على ما ينبغي البناء عليه من عناصر هذا التراث المقروء في ضوء منارات التنوير الفكري والاجتماعي، كي نتمكن من بث أنوار ذلك الوهجٍ في رحاب حياتنا لحظة تمكين المرأة من استعادة حقوقها الإنسانية، ومعرفة ذاتها، وتأكيد حضورها الفاعل في الحياة والمجتمع بوصفها ذاتا إنسانية كاملة، ليست ناقصة، أو نسبية، أو مشروطة منقوصة الطبيعة والحقوق، بل ذاهبة، دوما وكما الرّجل تماما، نحو كمالها الإنساني المحتمل.

ناقد من فلسطين مقيم في سلوفاكيا

16