صورة المرأة في السينما العربية

بما أن السينما ليست سوى انعكاس للحياة الاجتماعية، فقد كان من الطبيعي أن تطالب السينمائيات النساء بنوع من المساواة في الحصول على فرص لصنع أفلام تعبّر عنهن.
الأحد 2018/03/11
مشهد من فيلم بر بحر للمخرجة الفلسطينة ميسون حمود

كانت المرأة دائما حاضرة بقوة في السينما العربية، سواء كشخصية رئيسية في الأفلام كما تجسّدها الممثلة، أو وراء الكاميرا كسينمائية: مخرجة، مصورة، مونتيرة، مهندسة ديكور.. إلخ.

وعادة ما يشار إلى دور المرأة في السينما العربية على وجه الخصوص، بنوع من المبالغة، ومع إضفاء قدر من التقدير المصطنع والإشادة المفتعلة التي تصدر عادة عن “ذكور السينما” بما يوحي بنوع من الوصاية التي ربما لا تكون مقصودة لكنها تبرز في ثنايا الحديث الذي لا تكف وسائل الإعلام عن ترديده حول “دور المرأة في السينما” أو “المرأة هي الرائدة في صناعة السينما”.

 وعلى النقيض من هذه الهالة المصنعة التي يقصد بها التغطية على ما هو قائم بالفعل من مشاكل تتعرض لها المرأة، سواء في السينما أو في المجتمع عموما، يميل البعض أيضا إلى التقليل من حضور المرأة، والانتقاص من محاولاتها بناء صورة مستقلة لها من خلال الأفلام التي تصنعها أو تشارك في صنعها.

ولكن هل أصبحت المرأة تمتلك أصلا “وسائل الإنتاج” السينمائي لكي يمكن الحديث عن “سينما المرأة”؟ وما معنى هذا المصطلح، وهل هو مصطلح علمي أو يرقى إلى مستوى مصطلحات أخرى أصبحت مستقرة في الدراسات السينمائية الأكاديمية مثل “سينما المؤلف” و”الفيلم نوار” و”السينما الثالثة”.. وغير ذلك؟ أم أنها صرخة تتردد منذ سنوات طويلة دون أي صدى حقيقي لها، أي دون أن يكون لها مردود عملي وتأثير مباشر على الصناعة نفسها إن وجدت بالطبع؟

قبل أكثر من ربع قرن أجريت حوارا مطولا مع المخرجة اللبنانية-المصرية الراحلة نبيهة لطفي التي كانت قد أسست لتوها ما أطلقت عليه “جمعية سينما المرأة” في مصر، وكنا نحضر في ذلك الوقت مؤتمرا لمناقشة “سينما المرأة” أقيم على هامش مهرجان قرطاج السينمائي في تونس. وقد سألتها حينئذ عن تصوّرها لمفهوم “سينما المرأة”. خاصة أن الكثيرين يعتقدون أن السينما هي سينما فقط ، سواء أكانت من صنع الرجل أم المرأة، فما معنى التفرقة بين السينما التي يصنعها الرجل وتلك التي تصنعها المرأة؟

كان رأي نبيهة لطفي الشخصي، وهو رأي طرحته في الندوة الموسعة التي ضمّت عددا كبيرا من السينمائيين والنقاد، أن مجرد طرح هذه التفرقة للمناقشة، معناه أن هناك احتياجا ما، أو أن هناك شيئا ما يوجد في الحياة الثقافية أو حتى الاجتماعية، يفرض هذه التفرقة أو هذا الفرز. وأضافت أنه لا شك في وجود دور للمرأة تاريخيا، بحكم أنها لم تكن تعامل على نفس القدم من المساواة مع الرجل.
 وبما أن السينما ليست سوى انعكاس للحياة الاجتماعية، فقد كان من الطبيعي أن تطالب السينمائيات النساء بنوع من المساواة في الحصول على فرص لصنع أفلام تعبّر عنهن. هناك مشاكل كثيرة مطروحة في مجتمعاتنا تتعلق بالعلاقة بين الرجل والمرأة، فإذا استطاعت المرأة أن تسمع صوتها في هذه المشاكل، فهي تساهم بالتالي في رفع عبء كبير عن كاهل المجتمع. وسينما المرأة إذن، هي سينما مطلوب أن تثبت من خلالها المرأة وجودها كمبدعة وفنانة، وأن تحصل على حقها في الحديث عن مشاكلها الخاصة.

خلال الخمسة والعشرين عاما الأخيرة ظهرت جمعيات كثيرة في مصر والعالم العربي والعالم الخارجي باسم “جمعيات سينما المرأة”، كما أقيمت مهرجانات كثيرة هنا وهناك، باسم سينما المرأة، وبرزت على الساحة ناقدات بل ونقاد يروّجون لسينما المرأة، وأفلام ترفع شعار الانتماء لسينما المرأة.. فما هي سينما المرأة؟ وهل أصبح المصطلح اليوم أكثر واقعية بحكم تحقق الكثير من الشعارات وتحولها إلى واقع فعلي؟ أم أننا مازلنا أبعد ما نكون عن الوصول إلى صيغة محددة لهذا المصطلح النقدي الذي أصبح أيضا تعبيرا يتردد بقوة في الإعلام؟

لكي نبحث في العلاقة بين السينما العربية والسينما، وبين صناعة الفيلم وقضايا المرأة، وننظر فيما إذا كانت المخرجات النساء قد نجحن في التعبير بشكل مختلف عن السينمائيين الرجال، عن قضايا المرأة في أفلامهن، ولكي نرصد سلبيات وإيجابيات النظرة “الخاصة” إلى المرأة التي من الممكن أن نحصرها في “غيتو” ثقافي منعزل، رأينا أن من المناسب، ونحن في شهر المرأة، أن نفتح هذا الملف الذي حرصنا على أن ندعو إلى المشاركة للكتابة فيه، عددا من الكاتبات والناقدات يفوق كثيرا عدد المشاركين من النقاد والباحثين الرجال.

لدينا في هذا الملف مساهمات لكاتبات وكتاب من اليمن ومصر والكويت والمغرب وتونس وسوريا وفلسطين. وقد حرصنا على تنويع المواد لكي تشمل الدراسات التي تبحث في المنتج السينمائي نفسه، إلى جانب المقالات والدراسات الأخرى التي تبحث في الظاهرة بأبعادها المختلفة من وجهات نظر متعددة.

ليس من الممكن اعتبار هذا الملف خاتمة البحث في الطريق موضوع سينما المرأة، بل نعد بنشر ما لم نتمكن من نشره في هذا العدد لأسباب تتعلق بضيق الوقت المتاح، في أعداد أخرى قادمة، لكننا نأمل بالدرجة الأساسية، في أن نتلقى ردود الفعل والتعليقات والكتابات المضادة، ممن يمكنهن ويمكنهم، المساهمة في إثراء النقاش حول هذا الموضوع الهام وبالأخص، على ما طرح من أفكار في المقالات التي يتضمنها هذا الملف، والاشتباك النقدي معها بحيث نثري العملية النقدية، وربما نساهم أيضا في التوصل إلى أساس علمي ننطلق منه في دراساتنا المستقبلية وتعاملنا النقدي مع “سينما المرأة”.

12